في ختام "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي"، بدا المشهد امتدادًا طبيعيًا لكلّ ما سبقه من تنظيمٍ وتألّق. لم يكن الوداع مُجرَّد لحظة نهاية، بل كان احتفاءً أخيرًا بالتجربة كاملة. تفاصيل مدروسة، أجواء مفعمة بالفخر وشعور واضح بأن هذا المهرجان يعرف كيف يبدأ بقوّة ويختتم بالرقيّ ذاته. ختامٌ حمل في طيّاته تقديرًا لصانعي السّينما وضيوفها، وترك وعدًا ضمنيًا بأن ما قُدّم ليس سوى فصلٍ جديد في مسيرة مهرجان بات علامةً فارقة على خريطة السّينما العالميّة، وذكرى مُلهمة يصعب تخطّيها سنويًا.
الحضور اللّبناني في "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي"، تُوِّج بإنجازاتٍ لافتة أكّدت مجدّدًا المكانة المتقدّمة التي تحتلّها السّينما اللّبنانيّة على السّاحتَين العربيّة والدوليّة. فقد استطاع السينمائيّون اللبنانيّون من خلال أعمالهم المُتنوّعة والجريئة، لفت انتباه لجان التحكيم والجمهور على حدّ سواء، مُحققين جوائز وتكريمات تعكس عمق التجربة الإبداعيّة وصدق الرّؤية الفنيّة. هذه النجاحات لم تكن مجرّد انتصارات فرديّة، بل شكّلت شهادة حيّة على قدرة السّينما اللبنانيّة على تحويل التحدّيات إلى قصص إنسانيّة مؤثرة، تُحاكي العالم بلُغة الفن وتؤكّد حضور لبنان الثقافي في أهم المحافل السينمائيّة.
قصص لبنانيّة
فقد حصد المُخرج والكاتب اللّبناني سيريل عريس "جائزة اليُسر لأفضل سيناريو" عن فيلمه الرّوائيّ "نجوم الأمل والألم"، تقديرًا لقوّة النص وعمقه الإنساني وقدرته على المزج بين الحسّ الدرامي والطرح العاطفي الصادق. يُقدّم الفيلم رؤية سينمائيّة تلامس ثيمات الأمل والمعاناة بِلغة سرديّة متماسكة وشخصيّات مكتوبة بعناية، ما منح السّيناريو حضورًا لافتًا لدى لجنة التحكيم. ويُعدّ هذا الفوز إضافة جديدة لمسيرة عريس، التي تتسم بالاهتمام بالقضايا الإنسانيّة وبالاشتغال على السّينما بوصفها مساحة للتأمّل والتعبير الصّادق. عريس أكّد أن الجائزة تمثل تقديرًا جماعيًا لكلّ من شارك في صناعة الفيلم، مُشيرًا إلى أن "نجوم الأمل والألم" هو ثمرة رحلة إبداعيّة طويلة سعى من خلالها لتحويل التجربة الإنسانيّة إلى حكاية قادرة على لمس الجمهور. (على أن نغوص سينمائيًا بشكلٍ أعمق في تفاصيل الفيلم، عند إطلاقه مطلع السّنة المقبلة في صالات السّينما اللّبنانية، حيث يُنتظر أن يلتقي العمل جمهوره الأقرب لقصّته وأبعادها).
كذلك نال الفيلم اللّبناني "جيم 1983" للمُخرج والكاتب جورج أبو محيّا، تنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم في "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي"، تقديرًا لفرادة الفيلم الفنيّة وجرأته السرديّة. وهو فيلم رسوم مُتحرّكة قصير، ثنائي الأبعاد ومُستوحى من أحداث حقيقيّة. تدور القصّة حول رحلة صبي في السّابعة من عمره يتجوّل في مدينته بيروت خلال الحرب اللّبنانية الأهليّة عام 1983. يُقدّم الفيلم مُقاربة إنسانيّة مُكثفة تنطلق من زمن مُحدَّد لتطرح أسئلة أوسع حول الذاكرة، الهويّة، الفقدان والتحوّلات الشخصيّة، مُعتمدًا على سيناريو مُحكم وبناء بصريّ دقيق.
يؤكّد هذا التنويه حضور فيلم "جيم 1983" كأحد الأعمال القصيرة اللّافتة التي تركت أثرها ضمن برنامج المهرجان. وتسلّم هذا التقدير الاستثنائي المُنتِج والكاتب المُشارك في الفيلم جورج مكتبي. تجدر الإشارة أخيرًا إلى ملاحظتنا مدى تأثر المُشاهدين الحاضرين من مختلف الجنسيّات بعد عرض هذا الفيلم، إذ دار بيننا وبين مجموعةٍ منهم حوار خاص حوله، فأشاد معظمهم بقدرة طرح الفيلم موضوع الحرب التي لم تنتهِ حتى اليوم، بطريقة إبداعيّة مُغايرة حرّكت مشاعرهم جميعًا.
من Baker إلى خبّاز
وفي إنجازٍ سينمائي عربي جديد يعكس تنامي الحضور الفني الإقليميّ على السّاحة الدوليّة، فاز النجم اللّبناني جورج خبّاز بـ "جائزة اليُسر لأفضل ممثل" ضمن فعاليّات "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي"، عن أدائه اللّافت في فيلم "يونان". ولم يتوقف النجاح عند هذا الحدّ، إذ حصد الفيلم نفسه "جائزة اليُسر لأفضل مُخرج" التي نالها المُخرج أمير فخر الدين، في تأكيد مزدوج على القيمة الفنيّة العالية للعمل على مستوى التمثيل والرؤية الإخراجيّة! وعند تسلّمه "جائزة أفضل ممثل"، أطلق خبّاز مزحة لكونه يحمل نفس اسم عائلة رئيس لجنة التحكيم Sean Baker، فحملت إلينا الكاميرا في تلك اللحظة صورة المخرجة والممثلة نادين لبكي وهي تشرح لِبايكر مبتسمة ما قصده "قرابته" مُمازحًا.
فوز جورج خبّاز جاء تتويجًا لمسيرة فنيّة حافلة ومتنوّعة، استطاع في خلالها إثبات نفسه كأحد أبرز الممثلين في السّينما والمسرح والتلفزيون العربيّ. وفي فيلم "يونان"، قدّم خبّاز أداءً اتسم بالعمق والصدق، معتمدًا على أدواتٍ تمثيليّة دقيقة مكّنته من تجسيد الشخصيّة بأبعادها النفسيّة والإنسانيّة المُعقدة، بعيدًا من المبالغة أو الأداء الاستعراضي. وخلال وجودنا في المهرجان، لاقى هذا الأداء إشادة واسعة من الزملاء النقاد ومن الجمهور أيضًا، معتبرين أن الشخصيّة شكّلت أحد أعمدة الفيلم الأساسيّة. ويُعدّ الفيلم عملًا سينمائيًا ذا طابع إنساني تأمّلي، يطرح أسئلة وجوديّة واجتماعيّة من خلال سردٍ بصريّ هادئٍ ومدروس. أمّا المُخرج السّوري أمير فخر الدين" فنجح في تقديم رؤية إخراجيّة متماسكة، جمعت بين الحسّ الفني العالي والقدرة على توظيف الصّورة والإيقاع لخدمة القصّة ومشاعر الشخصيّات. وقد جاء فوزه بـ "جائزة اليُسر لأفضل مُخرج"، ليؤكّد مكانته كأحد الأصوات الإخراجيّة العربيّة التي تسير بخطى واثقة نحو سينما ذات هويّة خاصّة.
ويكتسب هذا الفوز أهميّة إضافيّة، لكونه تحقق في "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي" الذي بات يُعدّ من أبرز المنصّات السينمائيّة في المنطقة، لِما يُقدّمه من مساحة حقيقيّة للاحتفاء بالسّينما العربيّة والعالميّة، ولِدوره في دعم المواهب وتعزيز الحوار الثقافي من خلال الفن السّابع. كما تُعدّ "جوائز اليُسر" من الجوائز المرموقة التي تمنحها إدارة المهرجان، وتحظى بتقدير واسع في الأوساط السينمائيّة. ويُشكّل هذا الإنجاز حافزًا إضافيًا لصانعي الأفلام العرب للاستمرار في تقديم أعمال جريئة ومختلفة تُعبّر عن قضايا الإنسان العربي بلغة سينمائيّة عالميّة.
مطلبٌ لتعزيز تجربة المهرجان
يبقى أنه من موقع الحضور والمتابعة اليوميّة لفعاليات هذا المهرجان، يبرز تمنّ صريح ومُحبّ إلى أسرته التنظيميّة يتمثل في زيادة عدد العروض اليوميّة خلال الدّورات المُقبلة، ذلك يُتيح لمواكبي المهرجان، فرصةً حقيقيةً لمشاهدة أكبر قدر مُمكن من الأفلام المُشاركة. فالزخم الفني الكبير وتنوّع البرامج، على أهميّتهما، يجعلان من الصّعب أحيانًا اللّحاق بكامل التجربة السينمائيّة في ظلّ تداخل المواعيد وقلّة عدد العروض المُتاحة لبعض الأعمال. علمًا أن الرغبة في مُشاهدة الأفلام لا تنبع فقط من الفضول، بل من إيمانٍ بدور "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي" كمنصّة حواريّة وتفاعلية تتيح للجمهور والنقاد وصانعي السّينما، التلاقي حول تجارب مختلفة، عربيّة وعالميّة. ولعلّ التجارب العالميّة تُشكّل نموذجًا مُلهمًا في هذا السّياق، إذ نلاحظ مثلًا أن "مهرجان كان السّينمائي الدّولي" يعتمد جدولًا مُكثفًا، تبدأ فيه عروض الأفلام منذ الثامنة صباحًا، ما يسمح باستيعاب أكبر عدد ممكن من المُشاهدين، ويمنحهم حُريّة أوسع في اختيار العروض من دون التضحية بأعمالٍ أخرى. من هذا المنطلق، توسيع هامش العروض — سواء عبر زيادة عددها أو تمديد ساعات العرض — من شأنه تعزيز تجربة المُشاهدة وتكريس مكانة "مهرجان البحر الأحمر" كحدثٍ سينمائي مُتكامل لا يكتفي بالتميّز التنظيمي، بل يُصغي أيضًا إلى تطلّعات جمهوره المتعطّش للسّينما.