لم يعد الحديث عن احتمال انسحاب قوات الأمم المتحدة في لبنان مجرد سيناريو نظري، بل تحوّل إلى ملف سياسي–أمني بالغ الحساسية، تتقاطع فيه مصالح إقليمية متناقضة، فيما يبدو الطرف الأضعف فيه هو الدولة اللبنانية، التي تقف أمام احتمال فقدان آخر مظلة دولية تحمي هشاشة الوضع العسكري في الجنوب من انفجار مدمّر.
تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن قوات «اليونيفيل» لعبت، منذ تأسيسها عام 1978، دورًا محوريًا في مراقبة وقف الأعمال العدائية، كما لعبت بعد حرب تموز 2006 دورا اساسيا في دعم الجيش اللبناني، وتسهيل تطبيق بنود القرار الدولي 1701. وفي جلسات مجلس الأمن، شدّد المتحدث باسم الأمم المتحدة على أن وجود «اليونيفيل» يشكّل عنصرًا بالغ الأهمية في الحفاظ على “الاستقرار على طول الخط الأزرق”، محذّرًا من مخاطر إنهاء مهمتها بشكل كامل وسريع.
إلا أن مجلس الأمن الدولي صوّت في آب 2025 على تمديد ولاية «اليونيفيل» حتى نهاية عام 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب تدريجي ومنسّق، في إشارة واضحة إلى أن مهمة امتدت لأكثر من أربعة عقود قد تكون في طريقها إلى النهاية. وقد نصّ القرار الأممي على انسحاب منظّم وآمن خلال عام يلي انتهاء الولاية، بما يعكس توازنًا بين الضغوط الدولية والرغبة اللبنانية في الحفاظ على حضور القوة الأممية.
من المنظور الإسرائيلي، يُنظر إلى إنهاء مهمة «اليونيفيل» على أنه نهاية لمرحلة تُوصف في تل أبيب بـ«غير الفعّالة». فقد اعتبر سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، أن قرار مجلس الأمن إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب لبنان عام 2027 هو «خبر جيد»، قائلاً: «على سبيل التغيير، لدينا خبر جيد من الأمم المتحدة»، ومعبّرًا عن ارتياحه لانتهاء الوجود الأممي بعد أكثر من أربعة عقود من الانتشار.
يعكس هذا الموقف بوضوح رغبة إسرائيل في تقليص دور الرقابة الدولية على حدودها الشمالية، انطلاقًا من قناعتها بأن «اليونيفيل» لم تمنع تهريب السلاح إلى «حزب الله»، ولم تشكّل رادعًا حقيقيًا أمام ما تعتبره «ترسانة متزايدة» للحزب على الحدود. وفي ظل هذه الرؤية، تراهن إسرائيل على أن انسحاب «اليونيفيل» سيتيح لها إعادة صياغة ميزان القوى على الأرض، بما في ذلك احتمال إعادة إنشاء شريط حدودي مدمّر، أو فرض منطقة عازلة، أو حتى اجتياح جزء من الجنوب، بذريعة عجز الجيش اللبناني عن نزع سلاح «حزب الله».
على الضفة المقابلة، يحقق انسحاب «اليونيفيل» لـ«حزب الله» أحد أهدافه الاستراتيجية التي سعى إليها منذ انتهاء حرب تموز 2006. وقد أدّت اعتداءات نفّذها مناصرون للحزب إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف «اليونيفيل»، إضافة إلى محاصرتها مرارًا ومنعها من أداء واجباتها، تحت غطاء ما سُمّي بـ«غضب الشعب». وتعتقد قيادة الحزب أن الغياب المتوقع للقوة الأممية سيمنحه هامشًا أوسع للتحكم بالمنطقة من دون رقابة دولية، ما يتيح له تعزيز جهوزيته العسكرية على الأرض.
كما أن أي تقليص لدور الأمم المتحدة في مراقبة النشاطات جنوب الليطاني يخدم مباشرة السردية التي يتبناها الحزب حول «المواجهة الدائمة» مع إسرائيل، بما يعيد له صفة «المقاومة» التي تآكلت داخليًا نتيجة استخدامه السلاح في الداخل عام 2008 لفرض توازن سياسي، وانغماسه في الحرب السورية، وتحوله إلى سيفٍ مسلّط على رؤوس اللبنانيين، محوّلًا الدولة إلى مجرد قشرة تحمي «دولته» الخاصة.
وحده لبنان، دولةً وشعبًا، سيكون في عداد الخاسرين من انسحاب قوات حفظ السلام. ففي مقابل حسابات إسرائيل و«حزب الله»، يقف لبنان الرسمي أمام خسارة صافية. فانسحاب «اليونيفيل» يعني سقوط آخر ضمانة دولية لاحتواء التوتر على الحدود الجنوبية، وتحميل الجيش اللبناني مسؤوليات تتجاوز طاقاته، في ظل أزمات مالية وسياسية عميقة.
أمام هذا الواقع الجديد، سيُوضع لبنان أمام اختبار صعب: هل سيتمكّن من ملء الفراغ الأمني الذي تخلّفه «اليونيفيل» من دون أن يتحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات إسرائيل–حزب الله؟ هذه هي النقطة الأكثر حساسية في الحسابات الدولية، والتي تجعل الدولة اللبنانية الخاسر الأكبر سياسيًا وأمنيًا.
إن انسحاب «اليونيفيل» لن يكون مجرد خروج لقوة دولية، بل تحوّلًا جوهريًا في معادلات الأمن على الحدود الجنوبية. إسرائيل تتعامل مع القرار الأممي كفرصة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك، فيما ينظر «حزب الله» إلى نهاية الدور الأممي باعتبارها بابًا لاستعادة النفوذ الكامل في الجنوب. أما الدولة اللبنانية، فتواجه خسارة استراتيجية كبرى قد تُضعف سيادتها وقدرتها على ضبط حدودها، في وقت لا تزال فيه مؤسستها العسكرية محدودة الإمكانات وتفتقر إلى المناعة اللازمة في مواجهة أي صدام داخلي، فيما تبدو السلطة السياسية مترددة، كثيرة الكلام، قليلة الأفعال.