علي السامرائي

عندما يبتسم ظريف...

5 دقائق للقراءة
بغداد

لم يكن ألم الساق الذي دفع بوزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف إلى وضع ساقه على الأخرى، في جلسته الحوارية في معرض الكتاب في بغداد قبل أيام، إلاّ تعبيراً عن ألم أكبر بات يصيب العديد من مفاصل صنع القرار في إيران، ويُشعرها بالوجع منذ عملية طوفان الأقصى، وما جرّته من آثار على محور الممانعة.

جلس ظريف أمام حشد من جمهور عراقيّ متنوّع التوجهات والمشارب السياسية والعرقية والمذهبية، بعد أيام قليلة من جلسة حوارية عاصفة في العاصمة القطرية الدوحة، تناولت الملفات العالقة مع دول الخليج العربي والموقف الإيراني من الفصائل المسلحة أو وكلاء إيران، كما أسماهم ظريف، الذين وَجّه إليهم انتقادات لاذعة، كانت أقرب إلى التبرؤ منهم، عندما اعتبر أن دورهم كان لـ "تحقيق مصالحهم الخاصة" بدلًا من مصالح إيران، لكنه عاد هذه المرة بخطاب تصالحي مع من وصفهم بـ "أصدقاء إيران وليس عملاءها".

أحيط وزير خارجية إيران الأسبق بهالة، ارتبطت بدوره المؤثر والمحوري والحيوي خلال مفاوضات الملف النووي مع الغرب والولايات المتحدة، والذي أثمر بعد جولات متتالية من المفاوضات عن اتفاق شامل في 2015، سرعان ما ألغاه الرئيس دونالد ترمب في ولايته الأولى ليكون "ضربة قوية" لذلك "الثعلب الأبيض المبتسم"، الذي كانت له بصمة في كل جولات المفاوضات الإيرانية مع مختلف الأطراف، منذ نجاح الثورة الإيرانية وحتى الآن.

كانت طروحات ورؤى ظريف في جلسته الحوارية ببغداد، مختلفة عن تلك السياسات التي ميزت النهج الإيراني على مدى سنوات طويلة. فقد بات مدركًا أكثر من أيّ وقت مضى أن الشرق الأوسط أصبح أيضًا مختلفًا عن ذاك الذي كانت فيه طهران ورجالها يشعرون بالزهو والخيلاء في 5 عواصم ومدن عربية، ويتحكمون بمسار الأحداث وحتى بقرارات الحرب والسلام.

كان ظريف يحاول إطلاق رسائل سياسية إيرانية من بغداد، إحدى عواصم "النفوذ الإيراني" الخمس، أو ما تبقى منها... وهو مصطلح رآه غير مقبول ممن أطلقه حتى أنه "أثار وقتها غضب قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال الراحل قاسم سليماني" على حدّ قوله. فالرسائل الموجّهة للدول الإقليمية قد تكون لتلافي الصخب والضجة الإعلامية، التي حدثت في الدوحة. فظريف عبّر عن تمسكه بالحوار مع جميع الدول، وبخاصة العربية لما فيه من فوائد جمّة. كما أن الوزير الأسبق أراد اللعب على حبال الوجوه الإصلاحية، وتقديم نفسه كشخصية سياسية وسطية، يمكن الركون إليها إذا ما مالت كفة الميزان للتيار الإصلاحي، في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية التي تشهدها المنطقة. فمثل ظريف يمكن أن يكون وجهًا مقبولًا لتصدّر المشهد الإيراني مستقبلًا، مع أنه ما زال وفيًا لمبادئ الثورة الإسلامية، وقيادتها الروحية. لكن براغماتية رجال الدبلوماسية قد تغلب ثوابت الموقف في حال تطلب الأمر ذلك.

ومع أن بعض الأطراف النافذة في إيران مَدّت خلال سنوات مديدة، حلفاءها في "محور المقاومة والممانعة"، ولا سيما الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية المعارضة في أكثر من بلد، بكل مقومات القوة سواء المالية أو التسليحية أو عبر صناعة رأي عام مناهض للحكومات، أو توفير منصّات إعلامية موجهة لخلخلة المجتمعات العربية في بعض دول المنطقة، وإضعافها وتفتيت نسيجها المجتمعي، لكن المسؤول الإيراني لَمَس أكثر من غيره، حجم الخسائر التي لحقت بالمحور بعد الحرب الإسرائيلية على إيران، واستهداف المفاعلات النووية، وكذلك تدمير قطاع غزة وسقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، واغتيال قيادات كبرى بارزة أضعفت نوعًا ما "حزب الله" في لبنان والضغوط على العراق، لكنه - أي ظريف – ما زال يراهن على "المقاومة" ودورها في تحرير الأرض برغم أن بلاده "تدفع ثمنًا باهظًا من خلال العقوبات المفروضة عليها نتيجة دعمها لأصدقائها في "المقاومة"، التي قد تتقدم أو تتراجع احيانًا، كما يرى.

ومع أن الرهان الإيراني ما زال على حاله بدعم المقاومة، برغم ما حصل، إلا أن الجديد هذه المرة لم يكن ديمومة ذلك النهج فقط، وإنما الحديث عن مسار آخر موازٍ، ينصبّ على أهمية إيجاد "منطقة قوية"، بدلًا من دول معزولة. فظريف يريد شراكة حقيقية إقليمية في مواجهة إسرائيل والتحديات التي تواجه الشرق الأوسط. هو لا يريد فقط "العراق القوي أو السعودية القوية أو إيران القوية"... بل يقول "إننا نحتاج منطقة قوية فيها كل الدول قوية لأن قدرنا ومستقبلنا واحد". وأن الماضي الذي مرّ بمنطقة الشرق الأوسط وما فيه من أحداث "كان يمكن تلافي ما فيه ببعض الحكمة من كل الأطراف".

وفرضت التحولات الجارية في منطقة الشرق الأوسط على النظام في إيران التعايش مع مرحلة جديدة قوامها "ضبط النفس"، وتغيير لهجة الخطاب حتى بات السياج النووي الحديدي الإيراني متاحًا عبوره للجيران العرب، عندما أطلق ظريف مقترح "منارة"، وهو اختصارًا لـ "شبكة الشرق الأوسط للبحوث والتقدم النووي" عبر العمل سوية مع الدول العربية والإسلامية ضد التسلح النووي والعمل في سبيل الطاقة النووية. يقول ظريف: "إذا كانت لدى إيران تقنيات التخصيب، فيمكن مشاركتها مع السعودية لو كانت قادرة على تطوير الانشطار، ويمكن مشاركة ذلك مع جميع الأطراف في المنطقة وسيكون ذلك فرصة لهزيمة البروباغاندا الإسرائيلية التابعة للكيان الوحيد، الذي لديه أسلحة غير قانونية"، وفقًا لكلام الوزير الإيراني الأسبق الذي لم تفارق الابتسامة محياه وهو يطلق هذه الفكرة التي يدرك قبل غيره أن الزمن قد تجاوزها. بل لم تعد ذات جدوى بعد أن تكفلت الصواريخ الأميركية بوأد البرنامج النووي الإيراني عقب سنوات طويلة من التحدي.

ويدرك ظريف، وهو الخبير في العمل الدبلوماسيّ، أن التغيير لا يتمّ بالكلام فقط، ولا بتوزيع الابتسامات، وإنما بالأفعال التي تعيد الاعتبار لما يمكن أن يتم البناء عليه من ثقة، لا من خلال اتخاذ خطوات تكتيكية لإعادة التموضع بعد مرور العاصفة. "فإذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنّن أن الليث يبتسم"... هذا درس تعلمه كُثُر خصوصًا في بلداننا العربية.