في العام 2015 دُعيت إلى مؤتمر عقده نادي الوسطاء البحريين في دبي، تمحور حول ميناء دُقم في سلطنة عمان، وفي معرض شرحه الجدوى استعرض رئيس النادي مرافئ المنطقة من جبل طارق إلى جبل علي، (ولم يقل له أحد يومها احذر الجبلين)، مرورًا ببيروت فقال: لسوء الحظ بيروت الآن خارج الخريطة الملاحية.
في مؤتمر آخر عقد في بيروت تحدث محاضر آخر عن مخاطر يتعرض لها العلم الملاحي اللبناني بسبب قدم السفن التي ترفع هذا العلم، والحقيقة أن معظم التجار البحريين اللبنانيين يرفعون أعلام موافقة أجنبية على سفنهم، مسألة لم تتضح لي بصورة جلية إلا بعد عودتي إلى لبنان وتقديمي مشروع إلى وزير الأشغال والنقل بتطبيق المادة 2 من قانون التجارة البحرية وتحويل العلم اللبناني إلى علم موافقة: لم أكن أتخيل أن العقول المتحجرة الوظيفية في دوائرنا الرسمية تستطيع أن تحطم وتقمع أكثر المشاريع جرأة، وكيف تمكّن من قابلتهم من معنيين من تضييع المسألة في تحويرها إلى مسائل فرعية، زعموا يومها أن هذا يحتاج إلى قانون وتذرعوا بالسجلات علمًا أن تصنيف السجلات لا يتم بقانون بل بقرارات تنظيمية. أدركت من اللقاء الباهت يومها رغم التوصيات أن المدير "قردفني".
المضحك أن دكنجية الإدارات المختصة لا يعلمون أنني في العام 2012 عملت في مكتب محاماة دولي على تفاصيل دراسة متكاملة لتطوير المرفأ الذي هم صيّاحون عليه وأن لا مكان لهم في تلك الدراسة. دكنجية الإدارة الذين يُعَبِّر عنهم إضراب من هنا وقطع طريق من هناك، لا يعرفون أن الآتي لا يرحم وأن مستقبل الطاقة قطار أسرع من الصوت، وأن خيارنا إما أن نبقى في دكاكيننا الفكرية على مسار القطار فيحطمنا، أو نحجز مكاننا في إحدى مقصوراته فنحفظ مستقبل أبنائنا.
يأخذ المقربون عليّ حماسي، ويقايسوني بالحسابات اليومية، ومعايير الربح والخسارة الآنية، فلا يعيرون وزنًا لما تحمله الأيام من تحديات ثقال، تحديات لم نترك للأجيال المقبلة أية أدوات لمجابهتها، بل أثقلناهم بالديون المالية والأعباء العقائدية والأحقاد الماورائية.
في 4 آب 2020 تحطمت بقايا مرفأ بيروت، ولم ينهض مرفأ طرابلس، أما مرفأي صيدا وصور فخارج التأثير الاستراتيجي، في 4 آب كان إعلان وفاة الجمهورية الثانية، وبقينا في حالة موت سريري حتى 09 كانون الثاني 2025 حين جاء عهد جديد يرتجى منه الكثير فيما تسعى الدكاكين الاختيارية تأخير إصدار وثيقة ولادة الفجر.
منذ 27/11/2022 حتى اليوم عبرت في الإدارة اللبنانية في أكلح أيامها، إدارات لم تكن تعمل إلا بحد العجز وتصريف الأيام، كعجوز يعدد أوراق النعوة منتظرا أن تُقرأ ورقته، عبرت في إدارات الدولة في سعي لإعادة مدرسة أغلقها فرمان، وأخرى أغلقها نفوذ، ولا يعينني إلا طيف الأطفال الممنوعين من مقاعد الدراسة، عبرت جحيم البيروقراطية والمكتب السياسي، وكونت صداقات مع أوادم يعملون على مدار الضمير. في تلك الحقبة كان المولج تأمين مصالح الناشئة يتخذ دريئة من المطالب التعجيزية والشروط الإضافية على صاحب مبنى رضي بتقديم مبناه مجانا في زمن كان أصحاب المباني يفرون فيه من المدارس كأي تلميذ شقي.
زمن الطاقة الآتي، المنعتق من الإيديولوجيا، تُرسَم ملامحه اليوم، عبر ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، فالمنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) هي منطقة بحرية تمتد حتى 200 ميل بحري من خط الأساس الساحلي، تمنح للدولة الساحلية حقوقًا سيادية خاصة لاستكشاف واستغلال الموارد الطبيعية وإنتاج الطاقة، مع احترام حقوق الملاحة للدول الأخرى، وتُعرَّف وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولأن المسافة البحرية بين لبنان وقبرص لا تتعدى 181 ميلا بحريا كان لزاما أن يتم تقاسم المسافة بصورة تضمن العدالة والانصاف وحسن الجوار بين البلدين، ولأن الاتفاقية التي أبرمت في العام 2007 لم تعبر، لاعتبارات إقليمية، جاءت اتفاقية 26/11/2025 مؤسسة على المادة 74 من قانون البحار لتفتح آفاقا جديدة للبنان وتربطه بمنتدى الغاز الممتد من اليونان إلى الخليج. اللافت في اتفاقية 26/11/2025 أنها تركت النقطة 7 من الخريطة معلقة على التفاوض مع "أي بلد مجاور معني"، هذا النص يجب أن يقرأ في ضوء التغيرات السياسية التي استجدَّت في قبرص الشمالية ومع شلال دماء "الأقليات الدينية" التي أراقها الإسلام السياسي في سعيه إلى تغيير ديموغرافي لضمان حصته وحضوره في منتدى الغاز.
في 13/10/2025 أجرى وزير الخارجية الروسي مؤتمرًا صحفيا ردّ فيه على أسئلة الصحفيين ومن بينها سؤال الصديق الصحفي سامر يوسف من Sham TV، الذي أجاب عليه لافروف أن دور الحامية الروسية في مرفأ طرطوس هو تأمين الخدمات اللوجستية للقطع البحرية الروسية المتجهة إلى أفريقيا. هذه الإجابة تضمنت عدة أقانيم أهمها:
إن الاهتمام الاستراتيجي الروسي بالساحل الشرقي للمتوسط بلغ حده الأدنى، وأن هذا الوجود مؤسس على حاجات أصدقاء روسيا (أي تركيا وإسرائيل) لتنظيم خلافاتهما. إن العلاقة الروسية التركية، خاصة بين بوتين وأردوغان هي أهم وأوثق من أية علاقة أخرى، والسر في ذلك يكمن في عبارتين الدردنيل والبوسفور، أما الركيزة الثالثة فهي الولوج إلى البحر الأحمر الذي منه تعبر ناقلات النفط الروسي إلى الشرق الأقصى. يضاف إلى خط النفط والغاز، مسألة سوق الأسلحة في أفريقيا والذي عَبَّرت عنه قوات فاغنر في أفريقيا، سوق يضمن موارد مالية لروسيا، وتقهقر النفوذ الأوروبي، وضرورة إبقاء إفريقيا خارج الصراع الحضاري، فتبقى سوقا استهلاكيا لما تنتجه القوى العظمى وموردا للمواد الخام الرخيصة، والاستثمارات المربحة المسنودة من أحكام الـــ ICSID والتي تجد أكثر أحكامها منصبة على ضمان استثمارات وحماية حقوق مستثمرين في القارة السوداء.
على الضفة الأخرى من الأطلسي، والتي نقل إليها المهاجرون الأفارقة موسيقى السلسا وخطوات رقصتها، يتم العمل وبسرعة على استقرار سوق الطاقة هناك، وفرض حل جذري وسريع للمسألة الفينزويلية، فلم تعد خطوات السلسا تنفع، واستقرار سوق الطاقة وانسيابه عنوان المرحلة المقبلة ودون أية معوقات، فزمن الرومانسية الثورية انتهى. وإذا كان غوار يريدنا أن نشاهد ما يحدث في شيلي ونيكاراغوا فحكما ما يحدث لا يسر تشي غيفارا.
بالمختصر هكذا يؤسس منتدى الطاقة، فيما نحن نختلف على الميكانيزم وعلى من يرأس وفد لبنان، ونتلهى بالحج يعرض عضلاته على صخرة الروشة وفي المدينة الرياضية، وبالحج الآخر يغلق ساحة النور في طرابلس ويفتعل إشكالات في حارة صيدا وأيضًا يفرد عضلاته وأرجيلته على صخرة الروشة، وبالكراكيب تسعى سعيها وتناصب جهدها لحجز مقعدها في سيرك الجنون. ولمكافحة سلمية الشيخ غزال وحراك النخب العلوية يكتري الإسلام السياسي، بفرعيه، رموزًا دينية علوية نشأت في زمن "بائد" فيجعلها تارة توالي وتعاهد وطورًا تتبرأ وتبايع، وهي بين هَنٍ وهَنٍ في خبط وشماس وتلون واعتراض. وفي كل هذه المشهدية ترتفع جبال القمامة، وتتملح الآبار الارتوازية وتزيد المولدات وتتضاءل ساعات التغذية الكهربائية مع ساعات التعليم، وتتردى الخدمات الطبية، كسكان أي ضاحية فقيرة في مدينة غنية نقبع على حدود الفقر نشاهد الترف حولنا:
ونحن قانعون
بالحرب قانعون...
والسلم قانعون
بالحر قانعون ...
والبرد قانعون
بالعقم قانعون ...
بالنسل قانعون
بكل ما في لوحنا المحفوظ في السماء.
قانعون
وكل ما نملك أن نقوله:
"إنا إلى الله لراجعون ... "