الحاجة، بعد مراحل احتلال لبنان مباشرة أو بالوكالة وفقدان الدولة وظائفها السيادية، إلى العدول عن دراسات مكتبية لا تغوص في الواقع الاختباري وبدون استخلاص شروط الفاعلية في لبنان ومع اللبنانيين بالذات كما هم.
1. هل لبنان واللبنانيون عصيّون عن الإصلاح؟ نسي خبراء ومعدّو أوراق إصلاحية خلاصة الأب Louis-Joseph Lebret رئيس مؤسسة Irfed المكلّفة من الرئيس فؤاد شهاب في السنوات 1958- 1964 بإعداد تخطيط اقتصادي اجتماعي للبنان. إن خلاصة التقرير الختامي في جزءين لا علاقة لها مباشرة بالاقتصاد، بل بذهنية لبنانية متمادية، ليس لأسباب جينية، بل في علم النفس التاريخي والعيادي وقد توجزها الأقوال الشعبية، المفيدة جدًا في العلاقات بين الأفراد، ولكنها مدمّرة في مسار الدولة والحياة العامة: معليش، بيناتنا، شوفيها، مشيها، ما تحمل السلم بالعرض، طرّيها... تطرح في حلقات تلفزة قضايا بالغة الجديّة وترى بعضهم ضاحكًا، ما يذكر بتعبير ناديا تويني: "بلدي الذي يقول لي خذني على محمل الجدّ". جاء في خلاصة تقرير مؤسسة Irfed:
"إن ما ينقص لبنان بصورة أكيدة قبل الماء والكهرباء والمواصلات هو فقدان فرق عمل تكرّس نفسها للمصلحة العامة، وتعمل بروح تعاونية على جميع المستويات، لحل المشاكل العديدة في الحقلين الاقتصادي والإنساني. إن تغيير الذهنية وتغيير السلوك والتضامن الوطني اليومي يسهلان تنفيذ خطة الإنماء":
Ministère du Plan, Besoins et possibilités de développement du Liban. Etude préliminaire, 2 vol., Beyrouth, Mission Ifred-Liban, 1960-1961, vol. 2, pp. 476-477.
وجاء في الإرشاد الرسولي الذي أعلنه البابا يوحنا بولس الثاني في بيروت سنة 1997، بحرف مائل لإثارة الانتباه وفي سبيل العمل: "أن ما يجب تعزيزه، أكثر من أي تنظيم جديد، إنما هو ذهنية جديدة" (البند 9).
كان رئيس الحكومة رشيد كرامي يكرّر تعبير المصلحة العامة في خطاباته ما دفع البعض إلى تسميته "بالاسطوانة" ! لكن اليوم نادرًا ما يُستعمل تعبير "المصلحة العامة". يتحلى اللبنانيون بصفات رائعة في الانفتاح والإبداع والخبرة التاريخية والصمود والمقاومة الوطنية والتكيّف... ما ينقص هذه الصفات المميّزة ثقافة الشأن العام والدولة. يمكن أن نتلمّس غياب ذلك من خلال لجان المباني ذات الملكية المشتركة، إذ نادرًا ما نجد لجنة مبنى تعقد اجتماعاتها بشكل دوري ويدفع المالكون مساهماتهم ويتقيّدون بنظام البناية.
إن العمل في الشأن العام في لبنان، لمن يحمل ثقافة المصلحة العامة، هو عذاب يومي! يقول الرئيس فؤاد شهاب في آخر حياته لخاتشيك بابيكيان: "إنك الوحيد الذي لا يزال يأمل بإمكانية الإصلاح في لبنان!" وكان فؤاد بطرس بالغ التشاؤم نتيجة خبرته في الشأن العام. ومات الرئيس فؤاد شهاب قهرًا، وأيضًا الرئيس الياس سركيس الذي كان يعلن بدون مجيب: "أنا منكم، أنا لكم، أنا معكم"! ينسب إلى رالف نادر، الأميركي من أصل لبناني والمدافع عن حقوق المستهلكين: "لبناني واحد يساوي مئة أميركي، ولكن مئة لبناني يساوون صفرًا!".
2. الدولة أولًا وما معنى دولة؟ لا إصلاح في أي قطاع بدون استعادة الدولة كامل وظائفها الأربع السيادية (rex, regis, roi): احتكار القوة المنظمة أي جيش واحد لا جيشان، ودبلوماسية واحدة لا دبلوماسيتان، وإدارة المال العام من خلال الضرائب وجبايتها، وإدارة السياسات العامة.
3. الدراسات الحقلية السابقة: إن أية دراسة حول الإصلاح في لبنان يجب، منهجيًا وعلميًا، أن تنطلق من بعض الأبحاث المتوفرة والتطبيقية والجديّة. لا ضرورة لسرد مراجع، كما في دراسة جامعية، بل ذكر الأعمال السابقة التي تُشكل منطلقًا في سبيل التعمّق والتصويب والتطبيق. الحاجة إلى ذكر حالات، واقعية واختبارية في الواقع المعاش لبنانيًا. على سبيل المثال يذكر أحد الصناعيين الكبار أن بعض المنتوجات الزراعية اللبنانية مرفوضة في الخارج بسبب عدم التزامها معايير في سلامة الغذاء! وهل نتحدث عن صناديق التعاضد بدون ذكر اختبار واحد لأحد الصناديق في مدى فاعليتها ماليًا واجتماعيًا وأمانًا لأعضائها؟
4. المؤسسات الرسمية والنقابات والبلديات: تفتقر الأبحاث التي تقتصر على البنيات الفوقية superstructure إلى الفعالية effectivité. إن القانون هو الزامي impératif، ولكنه ليس قمعيًا coercitif إلا في الأنظمة السلطوية. يحمل اللبناني عامةً مخيّلة سلطوية للدولة، على نمط بعض الأنظمة العربية، ويطالب بالدولة، ولكنه يعطل غالبًا مسارات عديدة وجديّة من الدولة المركزية من خلال الزبائنية والتموضع والمعليشية والتكاذب والتذاكي.
تكمن المعالجة بالعمق، في سبيل فاعلية السياسات العامة، في استعادة دور النقابات المهنية والمجالس البلدية ضمانًا لثقافة المصلحة العامة ولفاعلية التشريعات والسياسات العامة. إن النقابات والمجالس البلدية هي معنية مباشرةً بأوضاع أعضائها. يمكن تصنيف كل التشريعات في لبنان استنادًا إلى مختلف الهيئات المهنية في الصحة والتعليم والبيئة... للهيئات النقابية في لبنان تاريخ حافل في الدفاع عن حقوق الناس قبل استتباعها من سلطة محتلة مباشرةً أو بالوكالة وقبل اغتيال الدولة في لبنان ووظائفها السيادية. تعمّمت ذهنية الشطارة على النمط اللبناني – وليس الشطارة في التكيّف العقلاني – لدرجة اعتبار غياب إقرار موازنة في لبنان طوال اثنتي عشرة سنة دليلًا ايجابيًا إلى قدرة اللبنانيين على التكيّف résilience وتم عرض نقل ذلك باعتزاز إلى المجتمع البريطاني!
الحاجة قصوى بعد الكارثة، بخاصة منذ اتفاقية قاهرة متجدّدة في 6/2/2006، في العدول عن التمجيد المطلق لصفات اللبنانيين في العيش معًا والاندماج والآداب والفنون والإبداع... هذه القدرات هي عنصر نجاح خارج لبنان وللانتشار اللبناني، ولكنها لا تبني في الداخل دولة ومصلحة عامة واستقرارًا وثقة بالمستقبل.
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019