الدكتور سايد حرقص

السلطة الهاربة من التاريخ…

3 دقائق للقراءة

لا تتصرّف السلطة اللبنانية كدولة تواجه خطرًا مصيريًا بقدر ما تتصرّف كجماعة مأزومة نفسيًا، تدير الخطر بدل معالجته، وتؤجّل المواجهة بدل حسمها. هذا السلوك لا يمكن فهمه فقط بلغة السياسة، بل يصبح أكثر وضوحًا عند قراءته من خلال عقدة "بولبيكر" ونظريات "جون بولبي"، حيث تتحوّل الدولة من فاعل سيادي حر مستقل إلى شخصية قلقة، متردّدة، وهاربة من تحمل المسؤولية.

وفق عقدة بولبيكر، تسير الشخصية في مسار طويل من الجهد والمعاناة، لكنها عند اقترابها من لحظة القرار النهائي، تقوم بالتراجع وتدمير كل ما أنجزته، لتعود إلى نقطة البداية. ليس فشلًا عفويًا، بل فشلٌ ذاتي نابع من خوف عميق من النتيجة.هكذا تتصرّف الدولة اللبنانية فتتخذ قرارات سيادية من دون أن تتجرأ أن تلامس الأفعال التطبيقية، تكرّر خطاب “الدولة القوية” من دون امتلاك أدواتها وتقترب من لحظة المواجهة مع واقع السلاح غير الشرعي كما حدث في قرارات الحكومة في   5 آب 2025، ثم تتراجع.

السلطة في لبنان تخاف من تحمّل المسؤولية الكاملة وتفضّل البقاء في حالة كفاح دائم، وصراع بلا حسم، حيث الألم مألوف، أما الحلّ فمؤجل. الهروب من مواجهة حزب الله ليس عجزًا عن المواجهة، بل تعبير عن عقدة نفسية تمنع اكتمال الفعل السياسي.

بحسب جون بولبي، فإن الكيان الذي لم يطوّر شعورًا بالأمان الذاتي، يدخل في نمط التعلّق القَلِق–الاعتمادي: يخشى التغيير، حتى عندما يكون هذا التغيير شرطًا للنمو والاستقلال.السلطة في لبنان تُجسّد هذا النمط بوضوح فهي تخشى التغيير في مسألة استلام زمام المبادرة واستعادة دورها من قوى سلبتها اياه منذ عقود وتبحث عن حماية بديلة بدل بناء حماية ذاتية وبذلك تفضّل الاعتماد على توازن هشّ بدل تحمّل عبء الاستقلال الفعلي.

عندما تلتقي عقدة بولبيكر مع اضطراب بولبي، تنتج سلطة قلقة، مترددة ،لا تحسم ولا تواجه ولا تحمي حتى نفسها.

الهروب من "دبّ" المواجهة الداخلية لا يُلغي الخطر، بل يُراكمه وقد يوصل الى الوقوع في "جب" الاجتياح . فالسلطة الرسمية التي لا تفرض ذاتها كمرجعية وحيدة على أرضها، تُعرّف نفسها، سياسيًا، ككيان غير مكتمل، قابل للاختراق، وغير قادر على وضع حدود.

في علم النفس، الكيان الذي لا يضع حدودًا واضحة، يدعو الآخرين، من حيث لا يدري، إلى تجاوزها. وهكذا، يصبح الخطر الخارجي نتيجة مباشرة للهشاشة الداخلية، لا حدثًا مفاجئًا أو عدوانًا معزولًا عن السياق.

الاجتياح، في هذا المنطق، ليس سوى النتيجة القصوى لمسار طويل من الهروب. فالسلطة التي ترفض مواجهة عقدها، تُجبر لاحقًا على مواجهة نتائجها. والكيان الذي يختار التعلّق بنظام الفوضى والتبعية بدل الاستقلال، يجد نفسه عاجزًا عن الدفاع عن حدوده، لأن هذه الحدود لم تُرسَّخ أصلًا في وعيه السياسي.

في العلاج النفسي، لا يُشفى المريض قبل أن يعترف بنمطه التدميري. وكذلك الدول. لبنان لن يخرج من دائرة الخطر طالما يهدم اقترابه من السيادة عند لحظة الحسم ويتعلّق بما يضعفه خوفًا من الاستقلال

الانتقال من سلطة هاربة إلى دولة ناضجة يبدأ بكسر عقدة بولبيكر، وبفكّ التعلّق بالقوى الاخرى، واستبدال الخوف من المواجهة بالثقة بالذات.

وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى لبنان معلّقًا بين خيارين: مواجهة مؤلمة تنقذه…

أو هروب متكرّر يقوده، إلى الهاوية.