Tallulah عمل أصلي آخر لشبكة "نتفلكس" وهو يضمّ ممثلين ممتازين قادرين على جذب المشاهدين. إيلين بايج وأليسون جاني ممثلتان محبوبتان أصلاً ولا يسهل تجاهلهما. لن تندم على مشاهدة هذا الفيلم، إذ يمكن اعتباره من الأعمال القيّمة التي تستحق ضجة أكبر.
القصة مستوحاة من تجربة حقيقية عاشتها مخرجة الفيلم سيان هيدر: طُلِب منها في إحدى المرات أن تعتني بطفل كانت أمه عديمة المسؤولية أثناء عملها كجليسة أطفال في أحد الفنادق، كانت الأم تعامل ابنتها الصغيرة البالغة عاماً واحداً بخشونة، فهي لا تهتم بها إطلاقاً لا من حيث المأكل ولا من حيث المشرب أو إلباسها حتى حفاضاً. تعتبر الأم ابنتها عالةً عليها. كل اهتمامها ينصب على شكلها الخارجي والخروج لقضاء وقت حميم مع الرجال خارج المنزل بعيداً عن الطفلة. تفكر المخرجة حينها بإنقاذ الطفلة من تلك الظروف لكنها تقرر في نهاية المطاف تحويل هذه التجربة إلى فيلم قصير بعنوان Mother (الأم) ثم فيلم طويل اسمه Tallulah. تتمحور القصة حول الشابة المتشردة "تالولا" (إيلين بايج). عندما يتركها حبيبها "نيكو" (إيفان جونيغكيت) ويسرق جميع أموالهما، تطلب المساعدة من والدته "مارغو" (أليسون جاني). لكن حين ترفض "مارغو" التعامل معها، تقصد "تالولا" فندقاً بحثاً عن الطعام والمال وتوظفها هناك أم ثرية وجامحة ومُهمِلة اسمها "كارولين" (تامي بلانشارد) للاعتناء بطفلتها كونها تريد الخروج لملاقاة احد الرجال في عشاء حميم. تتردد "تالولا" في البداية كونها لا تجيد الاعتناء بطفل لكنها سرعان ما تقبل الوظيفة لأنها بحاجة الى المال. وعندما تعود "كارولين" في حالة يرثى لها وفي سكر شديد لا تقوى تالولا على ترك الطفلة معها كون الام لا تحرك ساكناً حتى حين تخرج الطفلة الى البلكون، تقرر آنذاك خطف الطفلة من براثن الأم غير المسؤولة والعودة إلى "مارغو" والدة حبيبها لطلب المساعدة بحجة انّ الطفلة حفيدتها.

قد لا تبدو القصة جديدة أو مثيرة للاهتمام في البداية ولكن الاحداث تأخذ منحىً مشوقاً، خصوصاً حين تنطلي الخدعة على "مارغو" التي تتعلق بـ"تالولا" وطفلتها وتكوّن مشاعر حيالهما.
ما كان الفيلم ليتميّز أصلاً لولا شخصياته اللافتة. قد تكون كل شخصية منها مألوفة بدرجة معينة، لكن تبقى الشخصيات الثلاث المحورية ("تالولا" و"مارغو" و"كارولين") معقدة وعميقة. الأهم من ذلك هو أن بطلة القصة ليست مثالية ولا يسهل التعاطف معها في جميع المواقف. مع ذلك، لا نستطيع منع أنفسنا من الاهتمام بقصتها ومصيرها. "تالولا" شابة معقدة وضائعة وسرعان ما نكتشف أن الجميع تخلّى عنها في مختلف مراحل حياتها، وهذا ما جعلها لا تثق بالآخرين وتعتبر طريقتها الحل الوحيد لتحسين حياة تلك الطفلة، حتى لو كان تصرفها يعني اضطرارها للاختباء والهرب طوال الوقت.
عاشت "تالولا" معاناة كبرى ولا يمكن لومها على قلة مسؤوليتها في معظم المواقف. أما "مارغو"، فهي امرأة مثقفة ومؤلفة حزينة وغاضبة وتشعر بالمرارة لأنها لا تستطيع تجاوز فشل علاقتها الأسرية السابقة التي انتهت بخيانة زوجها لها مع رجل آخر. تتصرف مارغو بطريقة مريعة مع معظم الناس في حياتها، لا سيما مع زوجها الذي توشك على الطلاق منه (جون بنجامين هيكي)، إنها تمقته لأنه سرق منها حلمها بتكوين أسرة سعيدة ومع من؟ مع رجلٍ آخر تاركاً إياها وحيدة بين جدران منزل تحمل لوحات اشتراها الزوج المخادع. أما "كارولين" فأمٌ مُهمِلة وغير جديرة بالثقة تعاني من نقص شديد في الثقة بالنفس وتريد على الدوام التأكد من أنها محبوبة. تكاد لا ترى كارولين أبداً صاحية فهي تعاني السكر على الدوام فلا تهتم ابداً بابنتها الطفلة ولا بحاجاتها الضرورية، فأنانيتها المفرطة تحول دون ذلك فضلاً عن شعورها بالوحدة وبنبذٍ من الرجال. على مرّ الفيلم سرعان ما تظهر طبيعة الام الضعيفة لدرجة أن يتعاطف معها المشاهدون في نهاية المطاف حين تفقد طفلتها فتبحث عنها في كل مكان كالمجنونة.
الأداء التمثيلي عالي المستوى. تقدّم إيلين بايج أداءً مدهشاً ومشحوناً بالعواطف بدور "تالولا". كذلك، يتّسم أداء أليسون جاني بالقوة وتبدو الكيمياء التي تجمعها مع بايج طبيعية وتلقائية وتعطي الفيلم طابعاً صادقاً ومقنعاً. تقدّم تامي بلانشارد بدورها أداءً ممتازاً بدور الأم الشائبة. أما الممثلة أوزو أدوبا المعروفة بشخصية "سوزان" صاحبة العيون المجنونة في مسلسل Orange Is the New Black (البرتقالي هو الأسود الجديد)، فهي تخطف الأضواء في كل مشهد تظهر فيه.
في النهاية يُعتبر فيلم Tallulah، على غرار شخصياته، عملاً مقنعاً ومثيراً للاهتمام ومليئاً باللحظات المضحكة والمبكية ننصحكم بمشاهدة الفيلم خصوصاً أنه يناقش مواضيع الأمومة والمسؤولية الشخصية والعائلة بأسلوب منطقيّ ومؤثّر للغاية.