تبدو السنة السياسية المقبلة مرشّحة لأن تكون سنة الفرز الحقيقي في البيئة السنية، وسنة التصادم مع «المزرعة الدستورية» التي بناها نبيه بري على مدى خمسة وثلاثين عاماً، وحوّل عبرها المجلس النيابي إلى ملكية سياسية خاصة تُدار بالريموت كونترول. هذا التحوّل لم يعد قابلاً للاستمرار، ولا يمكن للبيئة السنية أن تبقى رهينة تموضعات رمادية تُغلّف نفسها بشعارات الاعتدال فيما هي عملياً تكمّل الحلقة المفرغة التي تحمي المزرعة وتطيل عمرها.
عندما يبدأ التصحيح في الساحة السنية، فإن الفلتر الانتخابي الطبيعي يجب أن يفرز بوضوح بين القوى التي تموّل استمرار المزرعة الدستورية وتدافع عن الامتيازات التي راكمها بري، وبين القوى التي ترفض هذا الواقع وتقرّر مواجهته. هذا الفرز لم يعد نظرياً، بل بات واقعاً يتجسد في السلوك السياسي اليومي، وفي الموقف من كل استحقاق يتصل بصلاحيات المؤسسات أو بعودة محاولة وضع اليد على المجلس تحت ذريعة التشريع الضروري أو الظروف الاستثنائية.
الأمر يتجاوز بكثير اتفاق رئيسي الجمهورية والحكومة مع بري على تشجيع عقد الجلسة التشريعية. ما يظهر اليوم هو حالة «اللاموقف» التي يتلطّى خلفها عدد من نواب السنة، وهي حالة تُعيد إنتاج ما يشبه تموضعات وليد جنبلاط والتيار الوطني الحر: خطاب مرتفع السقف عند الحاجة، ومساكنة سياسية مع بري عند الامتحان الحقيقي. هذه اللاموقفية هي ما يسعى الفلتر الانتخابي إلى إسقاطه.
في بيروت حصل الفرز باكراً، وتصدره فؤاد مخزومي بموقف حاسم لا لبس فيه. وفي الشمال، كان أشرف ريفي في المقدمة، ومعه نواب آخرون قرروا أن يكونوا صوتاً واضحاً في مواجهة المزرعة الدستورية، رافضين تكريس أعراف طائفية وسياسية تُعيد إنتاج الهيمنة نفسها وتمنع أي إمكانية للإصلاح.
حقبة الاستتباع التي شيّدها بري داخل المجلس تقترب من نهاياتها، على الرغم من أن تركيب أكثرية عددية أتاح له تأمين النصاب وتمرير ما يريد في اللحظات الحرجة. فالمشكلة لم تعد في قدرة بري على جمع الأصوات، بل في اهتزاز الشرعية المعنوية التي كان يتكئ عليها، وفي تبدّل المزاج السياسي داخل البيئة السنية تحديداً، والتي دفعت أثمان سنوات طويلة من تهميش دورها داخل المؤسسات.
الاستحقاق الانتخابي المقبل بات قريباً، وكل الوقائع تشير إلى تغيير جذري لن يُبقي على المزرعة الدستورية ولا على حراسها ولا على المستفيدين منها. السنة المقبلة ليست سنة انتخابات فقط، بل سنة إنهاء مرحلة وفتح الباب أمام أخرى، حيث يصبح المجلس النيابي سلطة حقيقية لا مزرعة، ويعود التمثيل السياسي السني إلى لعب دوره كاملاً، بلا مساومات، وبلا رمادية، وبلا وكلاء يديرون المشهد من وراء الستار.