على وقع أصوات الألم التي استعاض بها عن الموسيقى، حوّل الراقص اللبناني ألكسندر بوليكيفيتش قصّة تعرّضه للضرب وتوقيفه خلال موجة الاحتجاجات التي شهدها لبنان أخيراً، إلى عرض فنيّ عبّر من خلاله عن "فعل مقاومة" ضد "الظلم والبشاعة".
ويسترجع بوليكيفيتش من خلال العرض الذي يفتتح في بيروت الجمعة ويستمر إلى الأربعاء المقبل، تجربة مشاركته النشطة في التحركات الاحتجاجية التي شهدها لبنان على مدى أشهر منذ أواخر السنة الماضية، مستعيداً قصة توقيفه على يد الشرطة مطلع العام الجاري.
ويروي مصمم الرقص ذو الأصول الكرواتية بجسمه وبلغة راقصة معاصرة الاعتداء الجسدي الذي تعرض له إثر التوقيف. وعلى مدى أربعين دقيقة يرقص بشغف ناقلاً الجمهور إلى تجاربه "الأليمة" في الأشهر الماضية، بينها فقدان والده وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت الذي أدى إلى أكثر من مئتي قتيل وآلاف الجرحى.
ويتذكّر بوليكيفيتش أنه كان خارج لبنان لدى اندلاع الاحتجاجات وعاد إليه بعد ثلاثة أيام من بدايتها. ويضيف: "رأيت في الثورة الأمل وإمكان التغيير، وأمضيت ستة اشهر في الشارع"، مشاركاً في التحركات.
واختار الفنان البالغ 38 عاماً عنوان "عليهم " لعرضه لأنه يرى فيه "فعل مقاومة". ويعتبر أن "الثورة الناجحة تبدأ بالذات، وتكون أيضاً على المعتقدات وعلى الرواسب، وعلى الظلم والحكام والموت والبشاعة".
و"عليهم" هو عرض فردي يروي حكايات الخسارة، الألم، الاعتداء الجسدي والثورة. ويتناول العمل بلغة جسد مُتقنة تجاوز الصعوبات في المواقف كافة. ويشير بوليكيفيتش في حديث لـ"نداء الوطن" الى أنّ "ابتكار هذا العرض كان بمثابة دافعٍ للحياة وحافز للصمود في وجه الكارثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بلبنان"، مردفاً إنّه "عمل بالغ الحميميّة، إذ يمثّل وسيلة ضرورية وأساسية للتعبير عن سلسلة من التجارب الأليمة وشديدة الوَقع التي اختبرتُها في الشهور الماضية، من فقدان أبي، إلى التعرض للاحتجاز على يد الشرطة، ثم إنهاء علاقة حبٍ سامّة جداً، وصولاً إلى تفجير مرفأ بيروت المروّع يوم الرابع من آب".
ويضيف بوليكيفيتش: "وُلدَ "عليهُم" تحت وابلٍ من الإرهاق الذي أودى بي إلى حافة الانهيار والاستسلام. ولذلك السبب بالتحديد، استحال العرض رحلة نحو الخلاص"، مشدداً على "الحاجة الماسّة إلى صنع الفنّ خصوصاً وأنه من أساسيات الحياة وطريقة تعبير سامية عمّا يخالجنا من مشاعر، أحاسيس وأفكار".
وفي 17 تشرين الأول 2019، شكّلت محاولة الحكومة فرض رسم مالي على الاتصالات المجانية عبر التطبيقات المحمولة، الشرارة الأولى لسلسلة تحركات عمّت المناطق اللبنانية على مدى أشهر وشارك فيها مئات الآلاف رفضاً للطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد ويحمّلونها مسؤولية تردي الوضع الاقتصادي في البلاد التي تشهد انهياراً مالياً غير مسبوق.

وشارك عدد من الممثلين والمخرجين والمغنين والموسيقيين وسواهم من الفنانين في الاحتجاجات، وساهموا في تنظيم التحركات وأدلوا بمواقف داعمة لها ومنتقدة للحكام والطبقة السياسية. ونددت جمعيات غير حكومية بتوقيف عدد منهم لفترات قصيرة خلال التظاهرات.
وقد أوقف بوليكيفيتش في 14 كانون الثاني لفترة وجيزة خلال مشاركته بتحركات أمام مصرف لبنان المركزي رفضاً للسياسات المالية في البلاد، تخللتها أعمال شغب وتحطيم واجهات وصرّافات آلية في عدد من المصارف.
ويصف الفنان توقيفه بأنه "مصادفة"، موضحاً: "لم يستطع رجال الأمن توقيف المشاغبين، فقبضوا عليّ. كنت أقف جانباً، فسحبوني بشعري وأوسعني خمسة أو ستة عناصر ضرباً".
ويتابع قائلاً: "أحدهم ضربني على وجهي، فيما ضربني اثنان على ظهري وآخران على قدميّ، ثم اقتادوني إلى التحقيق حتى تخليتي فجر اليوم التالي".
وبالرقص، دافع بوليكيفيتش عن نفسه. لم يقاوم رجال الأمن، على ما يؤكّد، لكنه اعتمد "ما يسمى الرقص الاتصالي أي الالتصاق بالمعتدي ومحاولة التماشي مع طاقته". ويضيف "الرقص أنقذني".
وبالرقص أيضاً، يستعيد الفنان هذه التجربة في عرض موزّع على أربع لوحات مترابطة:
في الأولى، يخلع الراقص الملابس التي كان يرتديها خلال مشاركته في التظاهرات. وبأنينه وحركاته، يعبّر عن الخوف والألم، سواء بظهره المنحني أو بقدميه المرتجفتين أو بيديه المتقوقعتين اللتين ما يلبث أن يفتحهما تدريجاً وبتقنية عالية ليبدو مصلوباً، مسترجعا مشهد ضربه وتوقيفه. وشاء أن تكون السينوغرافيا فقيرة، إذ تتوسط المسرح خزانة خشبية، بدت كأنها زنزانــة أو حتى نعش.
وفي داخل الخزانة، يدندن في اللوحة الثانية، موسيقى كان يحبها والده المتوفى حديثاً، يثور تارةً على الموت والفراق ثم يهدأ، وبجسمه يصدر أصواتاً تعوّض غياب الموسيقى، ثم يخرج من الخزانة كالطائر، ويدور حولها في اللوحة الثالثة مرات عدة، وحول نفسه، كالدراويش، بحثاً عن خلاص. وفي اللوحة الرابعة تتحول الخزانة منصة للرقص، يعتليها بوليكيفيتش واضعاً القناع الذي كان يستخدمه لاتقاء القنابل المسيلة للدموع، يخبط برجليه تعبيراً عن الرفض، مستعيداً بيديه حركات المحتجين في الساحات.

لم يستخدم بوليكيفيتش موسيقى ومحسنات بصرية بل فضّل التركيز على مضمون العرض الإنساني وأبعاده. ويقول إنه يقدم "رقصاً بلدياً بمقاربة معاصرة".
ويضيف "الحركة شرقية لكنني أجرد الرقص الشرقي من كليشيهاته".
واختار بوليكيفيتش إقامة عرضه في سرداب كنيسة القديس يوسف في بيروت الواقعة في أحد الأحياء التي دمّر أجزاء كبيرة منها انفجار الرابع من آب في مرفأ بيروت.
ويبرر اختياره تقديم العرض بسروال رقص قصير قائلاً: "في 4 آب الفائت دمر انفجار مرفأ بيروت منزلي. لقد خسرت كل شيء، ولم يبق لي سوى جسمي".
ويشير المسؤول عن الكنيسة الأب غبريال خيرالله اليسوعي الى "أنني أردت ان تكون الكنيسة فسحة أمل بعد انفجار المرفأ، وجمال الفن مصدر للأمل. لذا نستضيف فناناً يعبّر برقصه عن التعب الذي نعيشه". ويضيف "الرقص مقدس ورمزي، فضلاً عن أن رقص بوليكيفيتش محتشم".
ويعقّب بوليكيفيتش على ما قاله الاب خيرالله، مضيفاً: "وُلدت في كنف عائلة مسيحية، مارستُ إيماني المسيحي وكنتُ ناشطاً في الكنيسة"، لكن سرعان ما استدركت أنه غير مرغوب فيّ و"الله ما بحب يلي متلي وحرقهم"...
ويلفت الى أنني أعلم جيّداً أنّ "الله محبة، لكن بعض رجال الدين لا يسمح لي أو للّذين هم مثلي أن يبنوا علاقة متينة مع الله".
ويشير بوليكيفيتش الى "أنني التقيتُ كاهناً منذ أقلّ من شهر، كان له الفضل الرئيس بمصالحتي مع الإيمان المسيحي وذلك حين اقترح عليّ أن أقدّم رقصاً تعبيرياً في سرداب كنيسة القديس يوسف". ويختم قائلاً: "تتغيّر الايام ويتبدّل الاشخاص، وفي بعض الأحيان كلمة من شخص واحد قد تُحدث فرقاً كبيراً وشاسعاً".
وكان بوليكيفيتش الذي هاجرت عائلته الكرواتية الى لبنان في القرن التاسع عشر، أثبت حضوره كراقص بلدي ذكر بعدما قدّم مجموعة من الأعمال الفردية منها "محاولة أولى" (2009) و"تجوال" (2011) و"إلغاء" (2013) و"بلدي يا واد" (2015).