منذ سقوط النظام السوري، شهد الداخل اللبناني موجة نزوح جديدة شملت أبناء الطائفتين الشيعية والعلوية، في تطوّر مختلف عن أنماط النزوح السابقة. هذا النزوح الذي وجد "حزب اللّه" نفسه في صلب تداعياته، ارتبط في أذهان كثيرين بتدخله في الحرب السورية، ما حمّله، ولو ضمنيًا، جانبًا من مسؤولية ما آلت إليه أوضاع هؤلاء النازحين.
في المراحل الأولى، بدا المشهد مرتبكًا، حيث فُتحت الجوامع والحسينيات، وأقيمت مخيّمات عشوائية على عجل، انطلاقًا من فرضية أن الإقامة موقتة وأن العودة قريبة. إلّا أن تدرّج الاستقرار في سوريا الجديدة، مقابل تعقيدات سياسية وأمنية وقضائية حالا دون عودة كثيرين، وفرض واقع مغاير، وجعل الحلول الموقتة عبئًا دائمًا.
ضمن هذا السياق، برز خيار تجميع النازحين في مكان واحد، تُوّج بافتتاح "مجمع الإمام علي السكني لعوائل الشهداء" في الهرمل الأسبوع الماضي. المجمع المقام على مساحة واسعة، يضمّ نحو 230 وحدة سكنية مشيّدة من الباطون المسلّح، إضافة إلى محال ومصالح تجارية تؤمّن لأكثر من أربعين ألف مقيم احتياجاتهم اليومية، ما يقلّل احتكاكهم بالخارج. وهو محاط بسور وله مدخل رئيسي واحد، تُشرف على حركة الدخول والخروج مجموعة من الشبان.
ورغم أن المشروع أثار جدلًا واسعًا خلال فترة إنشائه، عاد اليوم إلى الواجهة من زاوية أكثر حساسية، هي الزاوية الأمنية والاجتماعية. تساؤلات تتردّد في الأوساط المحلية حول طبيعة القاطنين فيه، وما إذا كان يضمّ عناصر أو ضباطًا سابقين من النظام السوري، تُلاحقهم اتهامات تتعلّق بمرحلة الحرب. كما يُطرح سؤال يتعلّق بالدولة: هل يحق للأجهزة الأمنية اللبنانية الدخول إلى المجمع وتفتيشه كما تفعل في مخيّمات نازحين أخرى؟ أم أن الأمر يخضع لاعتبارات مختلفة؟
هذه الأسئلة تتقاطع مع هواجس أوسع، في ظلّ أحاديث متجدّدة عن توترات محتملة داخل سوريا، واحتمال انتقال ارتداداتها عبر الحدود، وما إذا كان يضمّ المخيّم خلايا نائمة تتحرك عند الحاجة. ويضاف إلى البعد الأمني ضغط اجتماعي واقتصادي متنامٍ، تتحمّله مدينة الهرمل وبنيتها التحتية الهشة أصلًا، من مياه وكهرباء وخدمات، في وقت تعاني فيه الدولة عجزًا واضحًا عن مواكبة هذه التحدّيات.
في المقابل، يؤكّد "حزب اللّه" أن المجمع مخصّص لعوائل الشهداء والجرحى، في محاولة لوضع إطار واضح له وتبديد الشبهات المحيطة به. ويشير إلى غياب الدولة والمنظمات الدولية عن دعم هؤلاء النازحين، ما يفرض عليه أعباء مالية واجتماعية إضافية، في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة وضغوط متزايدة يتعرّض لها. هذا الواقع دفعه إلى الاستعانة بتمويل من جهات غير لبنانية، أبرزها متموّلون عراقيون سبق أن قدّموا مساعدات غذائية منذ بداية النزوح.
وعليه لا يمكن فصل هذا المشهد عن حجم الأعباء المتراكمة التي يتحمّلها "حزب اللّه" في هذه المرحلة. فـ "الحزب"، الذي يجد نفسه في موقع المعالج لنتائج سياسية وأمنية تتجاوز قدرته الذاتية، بات مطالبًا بتأمين السكن، والخدمات، والدعم الاجتماعي والصحي لشريحة واسعة من النازحين، في وقت يعاني فيه لبنان ككل من انهيار اقتصادي غير مسبوق. هذه المسؤوليات تُضاف إلى التزاماته المعروفة داخل بيئته، وإلى ضغوط مالية متزايدة ناتجة عن العقوبات والتضييق الخارجي، ما يفرض عليه البحث عن مصادر تمويل بديلة للحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. وفي ظلّ غياب الدولة وتراجع دور المنظمات الدولية، يتحوّل أي حلّ موقت إلى عبء طويل الأمد، يضع "الحزب" أمام تحدّيات مفتوحة يصعب احتواؤها منفردًا.
غير أن المفارقة تكمن في ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تظهر مجموعات لنازحين شيعة سوريين تشكو من عدم وصول المساعدات إليها، ما يفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول القدرة على الاستمرار، وعدالة التوزيع، وحجم العبء الحقيقي.
وبين القلق الأمني والضغط الاجتماعي والمالي، يتحوّل مخيّم الهرمل إلى مرآة لتعقيدات مرحلة دقيقة، لا يبدو أن معالجتها ممكنة من دون دور واضح للدولة، يوازن بين السيادة، والأمن، وواجب الاستجابة الإنسانية.