بينما يتقهقر النفوذ الإيراني ويتآكل في المنطقة، بعدما كانت طهران تمسك بزمام اللعبة الإقليمية بقبضة حديدية، قبل إشعال شرارة الحروب الإسرائيلية في 7 أكتوبر عام 2023، يبدو أن سطوة نظام الملالي السياسية والعسكرية على العراق تعززت في الآونة الأخيرة، بفعل إفرازات نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي حصدت فيها الأجنحة السياسية التي تمثل الفصائل العراقية المسلّحة الموالية لطهران حوالى 60 مقعدًا من أصل 329، معززة بذلك حضورها البرلماني مقارنة بدورة انتخابات عام 2021.
تعاظم نفوذ إيران السياسي في بلاد الرافدين، معطوفًا على حضور "ملائكتها" العسكري شبه الدائم من جهة، وحرص واشنطن على عدم التفريط بنفوذ راكمته في العراق منذ عام 2003، تاريخ إطاحتها حكم صدام حسين من جهة ثانية، عقّدا مهمة تشكيل حكومة عتيدة، طريقها مزروعة أصلًا بألغام طائفية ومذهبية، ومحفوفة بمطبات سياسية داخل البيت العراقي الواحد.
وما زاد الطين بلّة، التصادم الكلامي الأوّلي بين مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق مارك سافايا، وفصائل عراقية مسلّحة تدين بالولاء المطلق لطهران. فمبعوث قاطن البيت الأبيض، الذي لم تطأ قدماه العراق بعد، أمطر قوى "الإطار التنسيقي" بوابل من التغريدات المنتقدة التي تدعو السلطات العراقية إلى إنهاء ظاهرة السلاح المتفلّت، ووضع حدّ للميليشيات المسلّحة، التي تدور في فلك إيران، مؤكدًا أنه "لا يمكن لأي أمة أن تنجح في ظلّ وجود جماعات مسلّحة تنافس الدولة وتقوّض سلطتها". ويُفهم من كلام سافايا الذي يؤرق "الإطار التنسيقي"، أن اعتراف واشنطن بأي حكومة عراقية جديدة مشروط بلفظها أي طرف يتشبّث بالسلاح.
ردّ الفصائل المسلّحة أتى سريعًا على مبعوث ترامب وبلغ حدّ شيطنته، فقد حذرت من مغبة تعامل أي عراقي معه، وإلّا اعتبرته خائنًا، وأداة طيّعة في يد الرئيس الأميركي. أبرز الممتعضين من تغريدات سافايا كان المتحدث باسم "كتائب حزب اللّه" العراقية، المعروف بـ "أبو علي العسكري"، الذي شن هجومًا عنيفًا عليه، واصفًا إياه بالخائن للعراق، وداعيًا الساسة العراقيين إلى تجنب التواصل معه، وإلّا اعتُبروا أدوات بيد من أسماه "المجرم" ترامب.
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، المنبثقة حكومته من رحم "الإطار التنسيقي" الشيعي الحاكم، نجح في تحييد بلاده عن أتون الحروب الإسرائيلية، من خلال زيارات مكوكية قادته إلى طهران، حيث تمكّن من إقناع صناع القرار هناك بعد جهد جهيد، بضرورة عدم زجّ أذرعها العراقية في حروب "إسناد غزة". هذه الخطوة عدّتها واشنطن "نقطة مضيئة" في "رحلة الألف ميل" لإخراج العراق من الفلك الإيراني، وبَان ذلك من خلال تغريدات سافايا التي ألمحت إلى أن بلاده تنحو نحو السوداني أكثر من سواه، من خلال التذكير بأن العراق لم يدخل في السنوات الثلاث الأخيرة طرفًا في حروب المنطقة.
وهنا يعتبر المراقبون أن المواقف العنيفة التي صدرت من جانب فصائل موالية لإيران ردًا على تغريدات سافايا، تشير إلى توجّسها من إمكان تزكية واشنطن السوداني من دون سواه، لخوض غمار تشكيل الحكومة العتيدة. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يتسم السوداني الذي يترأس ائتلاف "الإعمار والتنمية"، باعتدال نسبي وبراغماتية مقبولة، مقارنة مع منافسه الأبرز الذي يترأس ائتلاف "دولة القانون" رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، والذي يتوق إلى دخول جنة الحكم مجددًا، والتربّع على عرش الكرسي الحكومي.
في المحصّلة، لا يمكن مقاربة مهمة المبعوث الأميركي الشاقة في العراق، بمعزل عن التطوّرات الجذرية التي تعصف بالمنطقة وتعيد رسم خريطتها بالحديد والنار تارة، وبالدبلوماسية الناعمة تارة أخرى. كما لا يمكن التقليل من شأن مبعوث أميركي جذوره عراقية - كلدانية، في توقيت شديد الحساسية، يحاول فيه قائد "العالم الحر" تحقيق "السلام من خلال القوة"، بينما يجهد في المقابل نظام الملالي المترنح، لمواصلة الإمساك بأوراق إقليمية تفاوضية يعتبرها قوية، عساها تقيه شرّ السقوط في هاوية التاريخ السحيقة.