يوسف يونس

جعجع ينطلق من "التجربة" ويقرأ في "نظام المجلس"

3 دقائق للقراءة

فهل من يريد نقاشًا؟ أم يريدون "سَلبطة" بديلة عن النظام؟ منذ أشهر، يدور الاشتباك السياسي حول قانون الانتخابات وحقوق اللبنانيين، ولا سيما المغتربين، في الاقتراع. لكن ما يميّز المقاربة التي قدّمها سمير جعجع، أنّها تنطلق من مواد النظام الداخلي لمجلس النواب، حرفيًا وبلا اجتهاد.

جعجع لم يسأل: ماذا نريد سياسيًا؟ بل سأل: ماذا يفرض النظام الداخلي؟

وعندما يُطرح النقاش بهذه الطريقة، يصبح السؤال الحقيقي، هل هناك من يريد أصلًا النقاش على هذا الأساس؟ أم أن المطلوب إبقاء "السَلبطة" قائمة، وإيجاد نظام موازٍ للقوانين، تمامًا كما حصل ويَحصل في ملف السلاح غير الشرعي؟

في قراءته، وضع جعجع الإصبع على جوهر المشكلة: رئيس مجلس النواب ليس صاحب سلطة مطلقة، بل موظف مقيّد بأحكام النظام الداخلي. فالمادة الخامسة من النظام الداخلي للمجلس واضحة: رئيس المجلس يرعى أحكام الدستور والقانون والنظام الداخلي، لا اجتهاداته الشخصية ولا توازناته السياسية. ومع ذلك، سمع اللبنانيون، منذ بداية معركة قانون الانتخابات، رئيس المجلس يعلن صراحة أنّه "لن يسمح بتمرير هذا القانون". وهنا تحديدًا يكمن الخلل، المسألة ليست مسألة سماح أو منع. رئيس المجلس لا "يسمح" ولا "يمنع". واجبه الوحيد هو تطبيق النصوص.

جعجع أعاد الجميع إلى المواد؛ المادة 106، المادة 38، المهل المحدّدة بخمسة عشر يومًا، وإلزامية طرح المشروع على الهيئة العامة سواء أنهت اللجان درسه أم لم تُنهه. الأرقام واضحة، التواريخ واضحة، والمخالفة أوضح. مشروع قانون معجّل وصل في 27 تشرين الثاني، انتهت مهله في 12 كانون الأول، عُقدت جلسة في 17 كانون الأول… ومع ذلك، غاب المشروع عن جدول الأعمال. فهل هذا اجتهاد؟ أم تعطيل متعمّد؟

الأخطر من ذلك، أنّ هذا التعطيل لا يُمارَس بالصدفة، بل ضمن نمط ثابت في إدارة المجلس النيابي منذ عقود. صلاحيات مقيّدة تُمارَس وكأنها مطلقة، ونصوص تُطبّق بالانتقاء، ومحاضر تُعلّق خلافًا للمادة 60 من النظام الداخلي، وكأنّ المجلس النيابي يُدار بمنطق "المزرعة" لا بمنطق المؤسّسة الدستورية.

في هذا السياق، يقدّم نبيه بري نفسه على أنه "ابن القانون"، فيما الوقائع تُظهر أنه ليس سوى امتداد سياسي لإرادة حزب الله، ولمشروعه الإيديولوجي السلطوي داخل لبنان. فكما يُدار ملف السلاح خارج الدولة والقانون، تُدار المؤسسة التشريعية بمنطق موازٍ للنظام الداخلي، حيث تُفرَض الوقائع بالسلبطة لا بالنصوص.

ما يقوله جعجع بجرأة كعادته متسلّحًا بمواد النظام، الجميع يشتكي منه في الغرف المغلقة وتحديدًا في طريقة إدارة المجلس النيابي، لكن قلّة تجرؤ على تحويل الشكوى إلى موقف. وهنا تحديدًا تكمن المعركة: إما نقاش قانوني واضح، أو تكريس فوضى مقنّعة باسم التوافق.

السؤال لم يعد موجّهًا إلى جعجع، فهو قدّم نصوصه وحججه. السؤال موجّه إلى الآخرين: هل يريدون الانضمام إلى معركة تصحيح مسار العمل داخل المجلس النيابي انطلاقًا من النظام الداخلي؟

أم يريدون أن تجد "السَلبطة" لنفسها مكانًا شرعيًا، كما وجد السلاح غير الشرعي مكانه خارج الدولة؟

في بلد تُفرَّغ فيه القوانين من مضمونها، يصبح التمسّك بالنص فعل نضال حقيقي. وجعجع، في هذه المعركة، لم يرفع شعارًا بل فتح "الكتاب" وكشف عن هشاشة إدارة المجلس النيابي من قبل رئيس المجلس.