أمجد اسكندر

دولة على خطى الماضي

3 دقائق للقراءة

تسود في أوساط كثيرة، لا سيّما رسمية، مقولة مفادها أن التصعيد في المواقف والبيانات والمقالات بنزع سلاح "الحزب"، يشكل استفزازًا له ولبيئته وبالتالي يعرقل جهود الدولة في سعيها إلى نزع السلاح.

يبدو أن "الحزب" يعمل وبهدوء على تسليم هذا السلاح، وقد أودع الجيش كل خرائط مواقعه جنوب الليطاني، وهو أعدَّ العدّة لفكفكة هيكليته العسكرية والأمنية في كل لبنان، وبالتالي لم يعد المسؤول عن عصيانه قرارات الدولة والمجتمع الدولي، وانتقلت المسؤولية إلى غيره. على مرّ السنوات والفرص، كان من أسباب فشل الدولة نظرية تقليدية تقوم على تقبيح الأطراف المتخاصمة، وتقديم نفسها كطرف يريد المصلحة الوطنية بينما الآخرون أصحاب غايات غير حميدة.

ويشطح الخيال عندما تعتبر الدولة، والتي غالبًا ما يأتي بها المتخاصمون، أنها تمثل أكثرية الشعب مقابل أقليات تنتمي إلى الأحزاب والتيارات، وأن منطق الدولة ينتصر إذا انهزمت الأحزاب المتناحرة. بفعل هذه المقاربة العقيمة، لا نزال ننحدر من سيّئ إلى أسوأ. ومن العادات أن "تتمرجل" الدولة على الأقرب إلى منطق الدولة، سعيًا إلى كسب ودّ العصاة، وتكون النتيجة صفرًا على الشمال. ما عدا التذكير بالبيان الوزاري وخطاب القسم، لا يوجد ردّ واضح وحاسم على من يقول إن السلاح باقٍ ولو أطبقت السماء على الأرض، وفي المقابل يُطالب من "يقهرهم" هذا الاستفزاز بالرويّة وطول البال. وكأن المطالبين بالصبر لم يصبروا طوال أكثر من عشرين سنة، لا عندما قتل رفيق الحريري وعشرات من شخصياتهم السياسية، ولا عندما وقعت 7 أيار، ولا عندما تعطلت الدولة عشرات المرات من قبل فريق السلاح وأعوانه.

والدولة التي لا تريد استفزاز "الحزب"، ألا تخطئ عندما تستفز الأقرب إليها، وتعطي "الحزب" بالمجان بدلًا من أن تأخذ منه؟ هذا العطب في الذهنية يوصل في أحسن الأحوال إلى تسوية "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"، فهل يحتمل لبنان، بعد كل ما حصل، تسوية في مسألة السلاح؟ المطلوب اختراق ينقلنا إلى مرحلة لا تتكرر فيها تجارب الماضي. ثمّة ظاهرة يجب أن يدرسها بتمعن من هم في مواقع المسؤولية اليوم وليس إلى أمد طويل. من المتعارف عليه أن القضاة والعسكريين هم الأكثر حيادًا والأكثر تمسكًا بـ "منطق الدولة". لماذا العديد من القضاة والضباط بعدما يحالون إلى التقاعد ينخرطون في أحزاب طوائفهم، ومنهم من يتحوّل رأس حربة ضد النظام الذي خدم تحت رعايته؟ متى كان هذا الضابط أو القاضي على حق؟ أيوم كان ابن الدولة أم يوم خرج منها؟ أكثرهم يقول لقد خبرنا عقم هذا النظام لذا ذهبنا إلى حيث تتحقق اقتناعاتنا. المقصود من هذا المثل أن من يتولى زمام الدولة اليوم قد لا يكون منزهًا عن الخطأ. والمقصود أن البيان الوزاري وخطاب القسم يتجهان إلى مصير مشابه لاتفاق الطائف حيث يكثر ذكره والتذكير بأنه لم يطبق.