على جزأين، يستعرض السرد الآتي، مسار طرح اقتراح قانون اللقاء الأرثوذكسي، وما رافقه من معطيات ومواقف، موثّقة بالوقائع والتواريخ، تبدأ من مواقف الأحزاب المسيحية من قانون الانتخابات، وصولا إلى القانون التوافقي، مرورًا بدراسة اقتراح قانون "الارثوذكسي" في المجلس النيابي وتعليق طرحه.
رغم إجماع الأحزاب المسيحية التي اجتمعت في بكركي على تأييد اقتراح قانون اللقاء الارثوذكسي، الذي يقوم على اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة، على قاعدة النسبية، على أن تنتخب كل طائفة نوابها، فقد تركت المواقف المباشرة التي طرحها قادة الأحزاب المسيحية، المنضوية ضمن تحالف قوى 8 آذار، على طاولة بكركي كما بعض مواقفها العلنية إشارة واضحة إلى أنّ مسار هذا الاقتراح سيصل إلى حائط مسدود.
رئيس "القوات" سمير جعجع كان أوّل مَن طرح "الأرثوذكسي" في اجتماعات بكركي، وقد كتب جان عزيز في جريدة "الأخبار" بتاريخ 18 أيار 2023: "وقف جعجع في لقاء بكركي في 16 كانون الأول 2011، وقال بالحرف ـــ ونقرأ من محضر بكركي بالذات ـــ أن هناك مشروعًا واحدًا يستحقّ أن نحمله وأن نطرحه وندافع عنه. إنه اقتراح اللقاء الأرثوذكسي. لا بل أنا أسمّيه "المشروع". لأنّه لا مشروع سواه يؤمّن حقوق المسيحيين... وأسهب جعجع يومها في عرض وجهة نظره، كيف على الملتقين في بكركي أن يوحدوا موقفهم حول "الأرثوذكسي". ثم كيف عليهم أن "يطحشوا" على حلفائهم لإقناعهم به. وصولًا إلى كيفية إقراره وتطبيقه وتأسيس نظام جديد منبثق من مساواته."
لكنّ طرح جعجع قابله اعتراض شديد من قبل رئيس "التيار" (آنذاك) ميشال عون ورئيس "المرده" سليمان فرنجية، وقد جاء في موقع "جنوبية" بتاريخ 16 كانون الأول 2011: "بعد أن طرح جعجع تبنّي قانون "اللقاء الارثوذكسي، جاءت ردّة الفعل الأولى من الحاضرين كالآتي: البطريرك الرّاعي أيّده، الرئيس عون اعترض عليه معتبراً أنّه يردّنا ألف عام للوراء والوزير فرنجية رفضه مؤكّداً أنّه سيؤدّي إلى حرب أهليّة."
كما جاء في جريدة "الأخبار" بتاريخ 13 كانون الأول 2011: "تؤيّد الأحزاب الأربعة القانون الأرثوذكسي، رغم التفاوت في الموقف منه. الكتائبيّون و"القوات اللبنانية" يعتبرونه خيارًا أول ويريدون السير به. العونيّون و"المردة" يتبنّونه أيضًا، لكنّهم يُدركون أنّ هناك صعوبة كبيرة من التوافق اللبناني عليه. يقولون إنُه يعتبر تغييرًا في النظام السياسي."
وقد زاد تشدّد "التيار في رفضه وفي الإصرار على العودة إلى قانون "الستين" المعروف بقانون غازي كنعان، وجاء في جريدة "الأنباء" الكويتية بتاريخ 27 أيلول 2011: "على مستوى التجاذب المسيحي ما بين مؤيد للطرح الأرثوذكسي القاضي بانتخاب كل طائفة لنوابها وآخر معارض له، ختم عضو تكتل التغيير والاصلاح النائب يوسف خليل لافتا الى ان خطورة هذا الطرح تكمن في ترسيخ الانفصال في الهوية السياسية بين المرشحين وتصل الى حد تكوين حالة من الفيدرالية الطائفية تطيح بمفهوم العيش المشترك وتؤسس لفيدرالية جغرافية على قاعدة تقوقع اللبنانيين كل ضمن دويلته الخاصة، معتبرا ان العودة الى اعتماد قانون الـ 60 على أساس الدوائر المصغرة يؤمن التفاعل الصحيح بين الطوائف اللبنانية ويجعل من المسيحيين والمسلمين شركاء حقيقيين في ايصال هذا المرشح او ذاك الى الندوة النيابية، ويؤمن بالتالي التمثيل المسيحي الصحيح."
ومن الدلائل الموثّقة الاضافية على اعتراض "التيار" على هذا القانون، ما كتبه نقولا ناصيف في جريدة "الأخبار" بتاريخ 27 أيلول 2012: "في الاجتماع التحضيري (بكركي) الذي جمع ممثلي حزبي الكتائب والقوات اللبنانية والتيّار الوطني الحرّ وتيّار المردة، إلى الوزير السابق زياد بارود والسفير السابق عبد الله بوحبيب، اتفق على رفع اقتراحات بتقسيم الدوائر الانتخابية إلى الاجتماع الموسّع. عندما التأم وُضعت على طاولة الأقطاب اقتراحات أخذت بالترتيب الآتي: مشروع اللقاء الأرثوذكسي، مشروع بارود للنسبية، مشروع صوت واحد لناخب واحد اقترحه مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية. أيّد سمير جعجع والنائب سامي الجميّل مشروع اللقاء الأرثوذكسي، ورفضه النائب سليمان فرنجيه لأنه يقوّض قواعد العيش المشترك، وتحفظ عنه الرئيس ميشال عون قبل أن يرفضه عندما سأل: هل هو مذهبي أم طائفي؟ ثم جهر برفضه بعدما قيل له إنه مذهبي."
رغم اعتراضهما، اعتمد عون وفرنجية خطوة تكتيكية لحسابات بحت مسيحية، كتب عنها موقع بنت جبيل بتاريخ 20 كانون الأول 2011: "العارفون بحقائق الأمور في الرابية وبنشعي، يعتبرون أنّ موقف عون وفرنجية هو تكتيكي بالدرجة الأولى ويهدف إلى سحب البساط من تحت أقدام أمين الجميل وسمير جعجع اللذين كانا سيظهران بمثابة بطلين مسيحيين شجاعين، لو أن الجنرال وزعيم المردة رفضا صراحة فكرة أن ينتخب المسيحيون نوابهم الـ64، وقبلها رئيس "الكتائب" وقائد "القوات" برغم ما تلحقه من ضرر بحليفهما الاستراتيجي النائب سعد الحريري. ويعتقد العارفون أنّ عون وفرنجية يراهنان على أن يرفض الشركاء المسلمون في الوطن، المشروع الارثوذكسي، بحيث يتم إجهاضه في مكان آخر، بدلا من أن يتحملا المسؤولية المباشرة عن إفشاله."
في 16 حزيران 2012، كشف عون في حديث إلى جريدة "السفير"، مشروعه الحقيقي، الذي ينسف طرحه "الأرثوذكسي" من أساسه، ويتماهى تمامًا مع مشروع حليفيه في الثنائي الشيعي، حيث قال: "النسبية مع لبنان دائرة انتخابية واحدة تمنع الخطاب الطائفي وتخلق برامج انتخابية تكون بمثابة بيان وزاري للحكومة التي تتشكل بعد الانتخابات، وتسمح للفائز بأن يشكل الحكومة على أساسه، كما تعطي الخاسر إمكان أن يكون لديه حكومة ظل قادرة على مراقبة السلطة، وذلك قد يؤسس في وقت لاحق إلى ما يشبه نظام الحزبين، حيث لا تفوز الطائفة في الانتخابات بل الخط السياسي."
لكن مواقف عون المتقلّبة من قانون الانتخابات لم تتوقّف، وقد أعلن في حديث لبرنامج "كلام الناس" عبر قناة "ال بي سي"، بتاريخ 11 تشرني الأول 2012 تأييده لقانون الستين: " "قانون الستين ليس عاطلًا... ردّينا الحق لأصحابو".
كما جاهر بانتقاده العلني لقانون "الأرثوذكسي" خلال مقابلة له عبر قناة "أو تي في"، ضمن برنامج "بين السطور" بتاريخ 22 تشرين الثاني 2011، مع الإعلامي جان عزيز: "مضمون الارثوذكسي يمسّ بالميثاق بالنسبة لتفكيري أنا، إذا كان لا بدّ من تغيير بالميثاق، يجب أن نكون مجتمعين كلّنا للبحث به، لا أن يبقى مطروحًا من طرف واحد، أي كل اللبنانيّين، نستطيع أن نقرّر نحن المسيحيّين أنّنا نريده لكن ماذا نفعل بالجهة الثانية؟".
وكرّر انتقاده للمشروع في حديث لموقع "النهار نت" بتاريخ 8 أيلول 2012: "ميشال عون: التقينا كموارنة في بكركي وبعد جدل طويل اتفقنا على اعتماد إقتراحين: الأول استماتت القوات والكتائب في الدفاع عنه بشخصي سمير جعجع وسامي الجميل وهو الأرثوذكسي ونحن بدأنا بلبنان دائرة واحدة ومن ثم طالبنا بالدوائر المتوسطة."
وكرّر بعد عامَين تنصّله من "الأرثوذكسي" في حديث لقناة "الميادين" بتاريخ 31 كانون الثاني 2014: "إن أصبحت رئيسًا للجمهورية سأعتمد قانونًا إنتخابيًّا يرتكز على النسبية مع الوسطية ويقسّم لبنان الى 15 دائرة."
وبالتوازي تنصّل فرنجية من القانون، عبر تغريدة على منصّة "اكس" (تويتر في حينها) بتاريخ 26 أيار 2016: "قانون اللقاء الارثوذكسي لا يؤمّن الانصهار الوطني بل يستنهض العصب المسيحي".