زيزي إسطفان

أساتذة عالقون بين انتماء طائفي وحق مشروع

ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية: حل عادل أم شراء للوقت؟

8 دقائق للقراءة

بعد الإضراب التحذيري ليومين متتاليين يعود ملف الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية إلى الواجهة من جديد ليقف عند تقاطع شديد الحساسية بين الأكاديمي والمالي والسياسي والطائفي. ملف يتجاوز كونه قضية مطلبية عادلة، ليتحول انعكاسًا للواقع اللبناني الذي تحكمه التوازنات الطائفية والحزبية الهشة التي تحول مساره من إجراء أكاديمي بحت إلى بازار سياسي مفتوح. فهل تعرقل الحسابات الطائفية مسار ملف التفرغ أم تعيده إلى الطريق الصحيح؟ وهل يرضي المسار كما هو مطروح الأساتذة المتعاقدين ويمنحهم حقهم المشروع بالتفرغ أم أن الثغرات البنيوية تنخره؟

منذ العام 2014 لم يفتح مجال التفرّغ في الجامعة اللبنانية ومنذ ذلك الحين تقاعد حوالى 1120 أستاذًا أو خرجوا من الخدمة ولجأت الجامعة إلى الاستعانة بمتعاقدين للحلول محلهم حتى باتت نسبة المتعاقدين حاليًا 70 % من مجمل الأساتذة، فيما قانون الجامعة اللبنانية ينص على ألا تتعدى نسبة هؤلاء 20 %، فيما 80 % يجب أن يكونوا في الملاك. إذًا الأمور لم تعد تحتمل التأجيل وحال الأساتذة المتعاقدين بعد الانهيار المالي باتت في الحضيض مع بدل مادي للساعة الواحدة يتراوح بين 20 و 24 دولارًا وغياب أية تقديمات صحية أو بدلات متنوعة حتى أن كثرًا من المتعاقدين قد تقاعدوا دون أن ينالوا تعويض نهاية الخدمة أو معاشًا تقاعديًا.


تسرّع وخلل طائفي

ظلم موصوف يلحق بالمتعاقدين لا سيما أن أعدادًا كبيرة منهم لا تعمل في أمكنة أخرى ، ورواتبها لا تكاد تذكر وقد تتأخر لأكثر من سنة أحيانًا. ملف التفرغ وضع على نار حامية و قُدّم إلى الحكومة من قبل وزيرة التربية ريما كرامي ليتبين أن فيه خللًا طائفيًا واضحًا أثار حوله الكثير من اللغط كما أثارت الأرقام المقدمة و لمهل المخصصة للدفعات التي سيتم تفريغها بالتتالي مخاوف الأساتذة.

بداية تم رفع حوالى 1600 اسم من قبل العمداء للتفرغ وقد تمت مراعاة الحاجات في كل كلية، لكن وزيرة التربية لم تقدم إلا 1282 اسمًا إلى الحكومة وفق ما يقول لـ "نداء الوطن" د. وليد الشعار العضو في رابطة الأساتذة المتعاقدين التي لم تكن راضية مطلقًا عن هذا التشحيل. وقد تبين بعد رفع الأسماء أن نسبة الشيعة بينهم تصل إلى 40 % بعدد 513 استاذًا ونسبة المسيحيين 29,4 % فيما نسبة السنة 25,8 % ونسبة الدروز 4,2 % والعلويين 0.5%. وقد أثار هذا الخلل الفاضح في التوازن حفيظة الأحزاب والمرجعيات المسيحية والسنية رغم تفهم رابطة الأساتذة الأمر. صحيح أن مراكز الفئة الأولى فقط في الدولة تخضع لمبدأ المناصفة لكن وحسب قول الشعار لا بد من مراعاة التوازن أيضًا في ملف التفرغ ولو إلى حد ما .

عمداء الكليات يقول الشعار لا يتوقفون في المبدأ عند الاعتبارات الطائفية عند اختيار الأسماء بل ينطلقون من منظار أكاديمي وحاجات الكليات، ويقررون من يفيد الجامعة بتفرغه ومن يضرها ويفترض بهم أن يكونوا "المنخل" الذي يصفي الأسماء. علمًا أن مجلس عمداء الجامعة المخول رفع الأسماء غير معين منذ سنوات نظرًا لشغور مراكز العمادة في عدد من الكليات، وعدم تعيين عمداء جدد بالأصالة وهو يضم حاليًا رئيس الجامعة بسام بدران ووزيرة التربية فقط. وقد كلفت الوزيرة كما يروى أشخاصًا لدراسة الأسماء وتقليص عددها ما أدى إلى هذه النتيجة، الخلل في التوازن الطائفي.

البعض يعتبر أن وزيرة التربية ريما كرامي تسرعت في عرض الملف على الحكومة دون الأخذ بالاعتبار حساسية التوازن الطائفي، فيما يؤكد البعض الآخر أن القوى السياسية والحزبية سواء المسيحية بمختلف أطيافها الحزبية أو السنية إنما تثير الملف اليوم لأسباب انتخابية وشعبوية لا علاقة لها بالأساتذة ومصالحهم. فهل يتحول الملف إلى "عليّ وعلى أعدائي" ويطيح الخلل الطائفي بإمكانية التفرغ التي طالما انتظرها الأساتذة على تنوع طوائفهم؟


ساعات ومحسوبيات

لكن الخلل الطائفي ليس الثغرة الوحيدة في الملف كما يشرح د. وليد الشعار بل هناك أيضًا المعايير التي اعتمدت في اختيار الأسماء، فالشرط الأساسي كان استيفاء عدد ساعات معين من التدريس في السنتين الأخيرتين. لكن ما حصل أن بعض من لديهم أقدمية لم يوفقوا في الحصول على ساعات كافية في هاتين السنتين فيما آخرون حصلوا على ساعاتهم بالواسطة والمحسوبيات لا سيما في بعض الكليات، وقد أدت هذه التدخلات إلى منحهم النصاب المطلوب فيما قدامى أخذت منهم ساعات. وكان يجب أن يراعي الملف معيار الأقدمية وكفاءة الأساتذة .

الملف كما هو رفع إلى الحكومة، ولجنة الأساتذة المتعاقدين لا تود الحديث المباشر عن "البازار" الطائفي، لكنها تسعى إلى رفع الظلم الواقع في السنتين الأخيرتين، أما الأحزاب التي تتابع الملف مثل "القوات اللبنانية" و "التيار الوطني الحر" وبعض الجهات السنية فتسعى المكاتب التربوية فيها للتدخل لكسر هذا التفاوت الكبير في التوزيع الطائفي.

تتعدد الثغرات التي يطرحها ملف التفرغ ومن بينها معيار وجوب كون الأساتذة حاصلين على شهادة مطابقة للكلية التي يدرّسون فيها وفق ما يشرح أحد الدكاترة. ويسأل ما وضع الأساتذة الذين يدرسون موادّ في كلية ما خارج الاختصاص، كتدريس اللغة العربية مثلًا في قسم علم النفس؟ فهؤلاء الأساتذة لديهم عدد الساعات المطلوب والأهلية المشهود لها لكنهم لا يطابقون اختصاص الكلية التي يدرسون فيها، فهل يتم استثناؤهم؟ وماذا عن الأساتذة الذين يهمس في السر أنهم ليسوا على المستوى المطلوب أو أن شهاداتهم مشكوك بأمرها كونها صادرة عن جامعات غير معترف بها أو تبيع شهاداتها بيعًا؟


الجامعة تطمئن

أسئلة كثيرة يطرحها ملف التفرّغ رغم طابعه الملحّ الذي سيساعد، متى أقر، في إنصاف مئات العائلات ويعيد الحق إلى نصابه. د. علي رمّال المستشار الإعلامي لرئيس الجامعة الدكتور بسام بدران يجيب عن بعض هذه المخاوف ويقول لـ "نداء الوطن"، إن الأساتذة خائفون اليوم من أن تطيح الاعتراضات السياسية والطائفية بالملف. لكن عمليًا الملف لم يتوقف والعمل فيه جارٍ خارج محاولات التخويف. الجامعة تتابعه عن كثب وتتم معالجة كل ما حكي عنه من خلل ليصبح الملف مقبولًا أي بصيغة وطنية تراعي التوازنات التي أقلقت البعض.

"الملف ذاهب إلى خواتيم ترضي الجميع" ، يؤكد رمّال، "دون أي إخلال بالبعد الأكاديمي وسيبقى معتمدًا على الكفاءة والحاجات المطلوبة في الجامعة. الآلية لا تحددها الجامعة، ومن يضع موازنة التفرّغ هي الحكومة عبر وزارة المالية وقد تم تكليف وزير المالية ياسين جابر بتحديد التمويل المطلوب ووضع سيناريو الدفعات الثلاث. وهنا يجدر التأكيد أن موافقة وزارة المالية تشمل كل الملف لكن التفرّغ سيأتي على دفعات. صحيح أن التمويل الفعلي سيكون للدفعة الأولى ولكن ليطمئن الأساتذة الباقون بأنهم صاروا مدرجين على لوائح التفرّغ. فالقرار الذي يصدر بمرسوم عن الحكومة يصدر بعدد الأساتذة كاملًا، لكن تتمّ جدولة الدفعات على السنوات القادمة. والجامعة تحدد حاجاتها الملحة في الدفعة الأولى ووفق الاختصاصات الأكثر حاجة".

يعترض د. رمّال على الرقم 1600 أي عدد الأساتذة الذي يحكى أنه تم رفعه من قبل العمداء ويقول إنه غير دقيق وإن العدد أقل والمعيار الأساسي الذي اتبع هو نسبة كل أستاذ إلى عدد الطلاب. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اعتماد معايير أكاديمية واضحة وشفافة ومعروفة من الجميع وقد مرت هذه الآلية بالمجالس التابعة لكل كلية وأقرّت، ورفعت الأسماء إلى الحكومة عبر مجلس الجامعة الذي يتكون حاليًا من رئيس الجامعة ووزيرة التربية فقط. لكن كل السيناريوات المقترحة تتوقف على مالية الدولة.

ولكن في بلد لا يعرف الاستقرار ومعرّض للهزات في أي لحظة هل يمكن للأساتذة الركون إلى مبدأ الدفعات؟ وماذا لو تم تفريغ الدفعة الأولى وحصلت ظروف ما منعت من الانتقال إلى الدفعتين الثانية والثالثة هل يبقى الأساتذة في حال انتظار ينالون 22 دولارًا على الساعة؟ وهل من يبلغ سن التقاعد في هذه الأثناء تكون "قد راحت عليه" وخرج بلا أي تعويض؟

رمّال يؤكد مرة جديدة أن المرسوم سيشمل كل العدد المرفوع، كذلك ووفق موازنة العام الجديد سيتم رفع بدل ساعة التعليم للمتعاقدين بشكل يوازي ما هو معمول به اليوم في القطاع الخاص وهو ما يحد من الإجحاف الحاصل بحقهم. لكن رغم التطمينات، الأساتذة غير مرتاحين ويخشون أن تعرقل التجاذبات المتعلقة بكامل ملف الجامعة اللبنانية المطروح على الحكومة من تعيين عمداء للكليات إلى تعيين ممثليين عن الحكومة وغيرها من تعقيدات، الجزء المتعلق بهم وتضيّع فرصتهم المحقة بالتفرغ .



لمصلحة من؟

في القانون يجب أن تفرغ الجامعة 80 % من كادراتها مع ما يتضمنه ذلك من تقديمات وتعويضات وأن تترك 20 % من المناصب للتعاقد حيث يكتفي الأستاذ بنيل بدل عن ساعة التعليم الفعلية. وعدم إقفال الملاك وإبقاء باب التعاقد مفتوحًا يعود لسبب أساسي، وهو الحاجات والكفاءات التي قد تحتاجها الجامعة والكليات الجديدة أو المواد الجديدة التي قد تطرأ ولا يوجد لها أساتذة مختصون في الملاك. ولكن الواقع اليوم مختلف كليًا وحوالى 70 في المئة من الأساتذة من المتعاقدين. وهنا يطرح سؤال سيئ الظن: في ظل حالة الإفلاس المالي أليس من مصلحة الحكومة عرقلة ملف التفرّغ حتى لا تحمل ماليتها أعباءً مالية ضخمة قد لا تكون قادرة على تحملها؟ ألا يمكن أن يكون الخلل الطائفي حجة خفية لنسف هذا الملف أو أقله التخفيف من أعداد المتفرغين؟ هل تشتري الحكومة الوقت أم هي عازمة فعلًا على البت بهذا الملف؟