ايلي الياس

سيادة كاملة شرط أساسي لأي تفاوض

3 دقائق للقراءة

لم يكن اتفاق 17 أيار 1983 مجرّد وثيقة سياسية عابرة، بل شكّل محاولة جديّة لإعادة الاعتبار لسيادة الدولة اللبنانية في ذروة الحرب اللبنانية. غير أن سقوطه لم يكن تقنيًا ولا ظرفيًا، بل نتيجة مسار سياسيّ - أمنيّ واضح قادته سوريا وحلفاؤها المحليون لإجهاض أيّ اتفاق لا يكرّس وصايتها على لبنان.

عند توقيع الاتفاق، كانت الدولة اللبنانية تعاني ضعفًا بنيويًّا عميقًا. فالاحتلال الإسرائيليّ كان قائمًا في الجنوب، والاحتلال العسكريّ السوريّ كان متمركزًا في مناطق واسعة من البقاع إلى الشمال، فيما كانت الميليشيات المسلّحة تمارس سلطات موازية للدولة. ومع ذلك، حاولت الحكومة اللبنانية، بدعم أميركيّ، استثمار التحوّلات التي أعقبت اجتياح 1982، ولا سيّما خروج منظمة التحرير الفلسطينية وتبدّل موازين القوى، لإطلاق مسار تفاوضيّ يعيد توحيد القرار السياديّ.

غير أن هذا المسار اصطدم منذ لحظته الأولى برفض سوري قاطع. فقد اعتبرت دمشق أن أيّ اتفاق لا يمرّ عبرها هو اتفاق غير شرعي، وتعاملت مع اتفاق 17 أيار كتهديد مباشر لنفوذها الإقليميّ في لبنان. ومن هنا، لم تكتف سوريا بالاعتراض السياسي، بل فعّلت شبكة حلفائها المحليين لإسقاط الاتفاق ميدانيًا.

برز دور حركة أمل والحزب التقدّمي الاشتراكي بشكل أساسي في هذا السياق. فمع توقيع الاتفاق، شُنت هجمات عسكرية منظمة ضد مواقع الجيش اللبناني، لا سيّما خلال أحداث 1983 و 1984، ما أدّى إلى إنهاك المؤسّسة العسكرية وتقويض قدرتها على تنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق. هذا التحرّك لم يكن عفويًّا، بل جاء ضمن استراتيجية واضحة لشلّ الدولة ومنعها من بسط سلطتها، خصوصًا في المناطق التي كان يفترض أن تشهد إعادة انتشار للجيش.

إلى جانب ذلك، أدّى "الفيتو السوري" دورًا حاسمًا عبر الربط بين الانسحاب الإسرائيلي والانسحاب السوري، وهو ما جعل تنفيذ الاتفاق مستحيلًا عمليًا. ومع تصاعد الضغط العسكري والسياسي، ومع تفجير مقري القوات الأميركية والفرنسية في تشرين الأول 1983، انسحبت الولايات المتحدة من المشهد، وسقط الغطاء الدولي الذي كان يؤمّن الحدّ الأدنى من التوازن. عندها، أصبح إسقاط الاتفاق مسألة وقت، وأُعلن إلغاؤه رسميًّا في آذار 1984.

إن سقوط اتفاق 17 أيار لم يكن نتيجة عيوبه وحدها، بل نتيجة قرار إقليمي واضح نفذته قوى محلية مسلّحة رفضت قيام دولة لبنانية مستقلة القرار. والدروس المستخلصة من هذه التجربة لا تزال صالحة اليوم: لا يمكن لأيّ اتفاق وطني أن ينجح ما دامت قوى مسلّحة تعمل خارج الدولة، وتربط القرار اللبناني بإرادات خارجية. فاحتكار الدولة السلاح والقرار ليس شعارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا لأيّ سيادة حقيقية.