"لم أعد أذكر" للمهندسة ميرنا عبّود ليسَت رواية عن الحرب، إنها عن الإنسان الذي كاد يُمحى منها. عمل أمني - اجتماعي تستعيد فيه الكاتبة تجربتها في خِضمّ الحرب اللبنانية، متنقلة بين أمكنة معروفة وأخرى منسيّة، لتدوين ما لم يُكتب، وحفظ ما قد يُزوَّر يومًا. "نداء الوطن" تنشر فصلًا من هذه الرواية الصادرة عن "دار سائر المشرق"، بعنوان: "كاتيوشا".
لو كان الأهل يأخذون ذاكرة أبنائهم على مَحمَل الجدّ لحَذفوا خوفًا وتَوجّسًا فصولًا كاملة من سجلّ الحياة، ولَكان مخزون الفكر البشري أقلّ غِنًى وخبرة، وأكثر راحةً وسلامًا.
في قريتي النائية، ولِدتُ في بداية السبعينات طفلة لأبوَين موظفَين. في ذاك الوقت كانت قلّة من النساء تعمل، مرتب إضافيّ جعلنا نعيش في محيطنا بنوع من البحبوحة، أو على الأقلّ هذا ما توقعه المجتمع منا. أمّي "ابنة طرابلس"، كما تُحبّ أن تُعرِّف عن نفسها، حملَت معها ثقافة المدينة وحذاقتها إلى عكّار حيث كان الجميع ما زالوا يُمَلّون الماء من "العَين" ويُحمّلونها على ظهور الدواب لاستهلاكها في الشرب والغسيل والنظافة...
هذه المرأة عشِقَت شراء وإغداق الهدايا ولطالما اعتبرَت أن اللعبة شيء مهمّ جدًا يستأهل أن تدفع ثمنه غاليًا... لقد أعطَت للهدية، من أيّ نوعٍ كانت، مكانة مهمّة بِحيث إنها بنظرها يُمكن أن تلعَب دَورًا بارزًا بربط العلاقات الإنسانية، ولا أذكر أن مناسبة مرّت دون أن تخصّص لها ميزانية تُفرح بها مَن حولها... تلك الإنسانة التي لم تُتقن أبدًا فن الاقتصاد والتوفير قد أجادَت وبامتياز فرَح العطاء، إلّا أنها لم تُقابَل يومًا بالمِثل.
ذات عصرٍ من الـ 1975، دخل عليّ أهلي بتُحفة عجيبة: لعبة أطول مني، عروس أنيقة وجميلة تقِف بفستانها الأبيض فتظنها أختي الكبيرة... أحببتُها جدًّا وأسميتها "كاتيوشا"...
بعُمر الثلاث سنوات لم أكن قَطّ قد خرجتُ من قريتي حيث كانت النِسوة يحمِلنَ أسماء مستوحاة من العهد القديم: حنّة وصابات وجميلة... لم يكن عندنا بعد تلفزيون، وحتى لو كان، فإن ما يُعرض عليه هو إنتاجات مُعَدّة للتصدير إلى العالم العربيّ وأبطالها كانوا فارس ونجود، سندباد، حسن، ليلى...
ما زلتُ أبحث داخل نفسي، من أين أتيتُ للُعبتي بهذا الاسم الغريب؟ إلى اليوم لم يَحصل لي شرف أن التقيتُ أحدًا سواها بهذا الاسم وحتى تاريخه لم أجد لسؤالي جوابًا. أبي عزا تسميتي للّعبة إلى وراثة جينية للذكاء من آل عبّود. أمّا والدتي فقد اعتقدَت أن السبب يعود لكَوني شخصًا متفلسفًا لا يرغب أن يكون كباقي البشر، وعامَلَتني العمر كلّه على هذا الأساس...
بعد خمس سنوات، سنة 1980، وإبّان قصفٍ عنيفٍ على مدينة بيروت، سمعتُ في مُلحق إخباري على إذاعة "صوت لبنان" أن الصواريخ التي نُقصَف بها كان اسمها "كاتيوشا"، ورغم رُعبي من الموت وقتذاك، إلّا أني سجّلت بيني وبين نفسي اعتراضًا شديد اللهجة: "إنه اسم لا يَليق بصاروخ".
استقرّت لُعبتي هذه على سطح مكتبتِنا الخشبية الرائعة كي لا يتسخ بياض ثوبها إنْ لعِبنا بها... أذكر نفسي واقفة أتأمّلها مَصمودة في الأعلى ورأسها يكاد يُلامس سقف البيت، أُعجبتُ بها، وعرشها المرتفع طَبَع قناعةً في رأسي: "المميّزات يجب ألّا يكُنّ بمتناول الأيدي"...
عقدة لم تكُن تَنقصني أضيفت على عُقدتَي: "الثور الكبير" و "ستّ البيت"... عقدة ساهمَت بفَتح بصيرتي وإنقاذي لاحقًا، من حيَل ذئبٍ بشريّ دخل بيتنا بشكل شِبه يوميّ على أنه حَمَل وديع.
أيّتها الأمّهات اِحرصنَ أن تَربطنَ في عقول بناتكنّ حبالًا محكمةً كهذه، ربّما احتجنها ذات محاولة "غدر".
مَكَثنا في سوريا من آذار 1976 حتى تشرين الثاني منه، إلّا أن والدي، في أيلول من ذاك العام، أرسَلَنا بزيارة إلى جدّتي، والدته، للاطمئنان عليها.
الوقت كفيل بتغيير كلّ شيء كلّ الناس وكلّ الحيثيّات... لم نُفارق الوطن إلّا بضعة أشهر.
لحظة وصولي إلى البيت، صَعدتُ الدرج واتجهت راكضة نحوَ المنزل العتيق حيث جدّي "أبو مورة". كان شوقي لهُ قد أخذ من نفسي مأخذًا، اشتقتُ أن أجلس على ركبتَيه أن أشمّ عبير التراب والخشب القطراني في بيته، أن أتسلّق المصطبة لأصِل إلى مَضافته، إلى كانونه المليء بالدق، إلى الحيطان المكسوّة باللِـبن أغرز أصابعي في تشققاتها وأزيلها شرائح متآكلة... لقد اشتقتُ إلى أزهار الجيرانيوم الحمراء و "حلق الست" في الحوّاش جنب المدخل... عدتُ، ولو لليلة واحدة، إلى حيث أنتمي، ضيعتي الصغيرة المتكئة على كتف ذاك الوادي السحيق.
أُمّ أبي تنتظرنا على "رأس الدرج" غطاء رأسها وثيابها سود كانت تبتسم والدموع تملأ عينيها. جملة نادَتني بها بدّلت عالمي الصغير:
- عودي إلى هنا، فصاحِب الدار قد رَحَل.
أُفف... أيرحَل في غياب "سِت البيت"؟ ألأني تركته قليلًا غادر دون وداع؟ أم هي الحياة التي يجب علينا أن نتَعامل معها على أساس أننا لا نملك الوقت الكافي لإنهاء أيّ فصل من فصول وجودنا فيها؟ شعورٌ بالخيانة وبِقلّة الحيلة أمام مجهول له السلطان على سَلبي مَن أُحِبّ... هذه كانت مواجهتي الأولى مع الموت.
عندما تتآلف أرواح الأطفال المقبلينَ على الحياة مع أرواح الشيوخ الطاعِنينَ الذين حزموا حقائب السفر، تتولّد طاقة خالدة من الحبّ تدور وتعود لتغلّف أبطال قصّتها بِهالة نورانية وقوّة بصيرة لا يكتب نهايتها أيّ نوع من الانفصال... هذه هي التي "أبواب الجحيم لا تَقوى عليها".
لا أعرف عمّا سيَحكي أبنائي لأحفادهم، أعَن ألعاب ألواحهم الرقمية أم عن علاقاتهم الاجتماعية عبر شاشة العالم الافتراضي؟ أراهم يسلكون دروب عمرهم بجُعبةٍ فارغةٍ لا أساطير جن فيها ولا مغامرات "سعلايا الدين"، لن يتعلّق خيالهم بخصائل شَعر "أمّ الذهب والمرجان" ولن يَتحمَّسوا لشجاعة "عنزة العنوزية"... حتى أنهم يجهلون مغامرات "سوبرمان" و "لولو وطبّوش". لم يقرأوا قصصًا مصوّرة بالأبيض والأسود ليطلقوا العنان لخيالهم فيضعوا ألوانها حسبَما يشاؤون. يا لهُ من جيل خالي الوِفاض تعِس فاتَهُ الكثير من ملح وبهارات الحكايات، فباتَت أيّامه لا طعمَ لها ولا لون. اِنعدم احترامه لكبير السن من الأجداد، إذ كيف لهم أن يحيكوا روابط العاطفة مع مَن لم يَجمعهم بهم وجدان الجماعة؟
إن العائلة الممتدّة كنز تَخلَّينا عنه بملءِ إرادتنا لنكسب صمتًا قاتلًا أسميناه: "خصوصية"، فلا عدنا نُحسِن الكلام مع أهلنا بحجّة أننا أكثر ثقافة واطّلاعًا منهم ولا أجَدنا مواكبة تفوّق أولادنا علينا. نحن جيل يَقبع في منطقة وُسطى تُشبه "المَطهر" فلا نحن في الجنة ولا في النار، تعلو شفاهنا ابتسامة بلهاء مدهوشة بكلّ ما يجري من حولنا وفي عيوننا دمعة نوستالجيا تشدّنا إلى ما لم نَعُد نملك أن نعيشه... عدا فقداني جدّي "أبو مورة"، كلّ شيء بدا على ما يُرام إلّا أنها كانت مسألة وقت قصير قبل وصولهم...
"المصائب لا تأتي فرادى". في تلك الليلة الظلماء، تعرَّضَت هذه البقعة الهانِئة من لبنان إلى هجوم دمَّر وأحرَق سبعًا من قراها... وجاء دورنا... وصلَ البرابرة بسيّارات النقل، كعادتهم، لحَمل ما يُمكن حمله وذَبح مَن حضَر... القرية صغيرةٌ والصوت في الليل "بِوَدّي"، هرَبَت بنا أمّي إلى بساتين اللوز تحت البيت مستَترينَ بظلامٍ دامس مع عائلة عمّي ثمّ تركَتني وأختي معهم وذهبَت لتَستطلِع ما يجري. من وراء الحفة تحت الطريق العامّ سمِعَت سيّارات الجيران تَصِل...
علّمني أبي أن "رأس الحكمة مخافة اللّه". كانت عكّار وقتها قرًى صغيرة جدًا متداخلة دينيًا تَتَواجب في الأفراح والأحزان، وتَتَبادل المعايدة والزيارة. أحبَبنا هذه العادات ولم نَكُن نصطَنِع القيام بها، فواظبنا على فَتح دارنا للاستقبال والخدمة وسماع الشكوى والصُلح... كنتُ تائهة في كَومة الغرباء الذينَ يدخلون بيتنا يوميًا ويخرجون ولطالما اعتقدتُ أنه مشهد طبيعي...
تجربتي الشخصية تقول إنه إلى جانب مخافة اللّه، من رؤوس الحكمة "حفظ الجوار". في تلك الليلة، خَلف البرابرة مباشرة وصَل "الجيران" بهدف إنقاذ أرواحنا. سمِعَتهم أمّي يُطالبون بقريتنا كَغنيمة حرب، كانت هذه حيلة منهم لإنقاذنا فكان لَهم ما طلبوا... حمّلونا في سيّاراتهم وهَربوا بِنا بثياب النوم نِسوة وأطفالًا إلى بيوتهم الفقيرة حيث خبّأونا واعتنوا بنا. لم يبقَ في ضيعتنا إلّا الرجال للحراسة والكهول لِكرامة في نفوسهم أبَت أن تترك الدار...
أعداد كبيرة من الناس افترشَت الأرض في ذاك البيت وكانت الأنفاس محبوسة من الخوف وتَرَقُب المجهول، إلّا نَفَسي... لقد التزم الجميع بالسكوت حتى لا يَسمع الغزاة صوتَنا فيعرفوا مكاننا ويذبحونا كما فعلوا بأهل: تلّ عبّاس وبيت ملّات ومنجز ودير جنّين ورَحبة وكفرنون وسيسوق. ماذا؟ هل سيذبَحون كاتيوشا؟"
