رواية "الكهل الذي نسي"، الصادرة عن "دار نوفل-هاشيت أنطوان" في شتاء 2026، ليست مجرد حكاية عن رجل فقد ذاكرته، بل هي رحلة فكرية وإنسانية في أعماق سؤال الهوية، وفي العلاقة الملتبسة بين الإنسان واسمه وذاكرته وما يكتبه عن نفسه. فمنذ الصفحات الأولى، يبتعد الروائي الجزائري سمير قسيمي عن البناء الروائي التقليدي، ويختار أن يضع قارئه داخل متاهة من الأسئلة، حيث لا تبدو الحقيقة ثابتة، ولا يمكن الوثوق بأي راوٍ أو شهادة أو ذكرى. وهكذا، تتحول الرواية إلى تجربة قرائية تستفز العقل بقدر ما تمس الوجدان.
ينطلق العمل من شخصية كهل يستيقظ فاقدًا ذاكرته، لا يعرف سوى رقم يرافقه داخل مؤسسة للعلاج النفسي، بينما يُصرّ الطبيب على التعامل معه بوصفه حالة سريرية لا أكثر. غير أن هذا الحدث الظاهري ليس سوى مدخل لطرح إشكالية أعمق، إذ يصبح فقدان الذاكرة رمزا لفقدان الذات، ويتحول الاسم إلى قضية وجودية، لا مجرد وسيلة للتعريف. لذلك، لا يبدو السؤال الذي يطرحه الطفل في بداية الرواية: "من جاء أولا... أنا أم اسمي؟"، سؤالا طفوليًّا عابرًا، بل هو المفتاح الذي يفتح أبواب الرواية كلها، ويكشف أنّ الكاتب يريد مناقشة العلاقة بين الهوية واللغة والوجود.
تتجلّى براعة سمير قسيمي في أنه لا يقدم الإجابات جاهزة، بل يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى. فكلّما ظن القارئ أنه اقترب من الحقيقة، تظهر رواية أخرى تنقضها أو تعيد تأويلها. الراوي يشكّ في الطبيب، والطبيب يشكّ في الراوي، والذكريات نفسها تبدو قابلة للاختلاق أو الزرع أو المحو، حتى يصبح الشك جزءًا من البنية السردية، لا مجرّد حالة نفسية تعيشها الشخصيات. وهذا ما يمنح الرواية طابعًا فلسفيًّا يتجاوز حدود الحكاية.
من أبرز القضايا التي تعالجها الرواية قضية الاسم. فالاسم هنا ليس كلمة تُطلق على الإنسان، بل هو مرآة وجوده ودليل هويته. وحين يُسلب الاسم، لا يفقد الإنسان وسيلة تعريفه فحسب، بل يفقد جزءًا من كيانه. لذلك، يربط البطل بين النسيان وسرقة الاسم، ويرى أنّ الموت الحقيقي لا يحدث حين يتوقف القلب، وإنما حين يختفي الاسم من الذاكرة ومن السجلات. إنها فكرة عميقة تجعل القارئ يعيد التفكير في الأشياء التي تبدو بديهية في حياته اليومية.
الذاكرة والرموز
ولا تقلّ الذاكرة أهمية عن الاسم في هذا العمل. فالكاتب لا ينظر إليها بوصفها مخزنًا للأحداث، بل باعتبارها المادة التي يتشكل منها الإنسان. ولذلك، فإنّ ضياع الذكريات لا يعني فقدان الماضي فقط، وإنما انهيار صورة الذات أيضًا. ومن هنا، تصبح الكتابة فعل مقاومة، لأنها الوسيلة الوحيدة القادرة على مواجهة النسيان. فالبطل يكتب ليحفظ ما يتسرّب من ذاكرته، ويكتب لأنه يخشى أن يختفي كما اختفت ذكرياته. وهكذا، تتحوّل الرواية نفسها إلى محاولة لإنقاذ الإنسان من المحو.
ومن الجوانب اللافتة في الرواية توظيف الرموز بكثافة، من دون أن تبدو مفتعلة. فالدائرة، التي تتكرّر منذ طفولة البطل، ترمز إلى الزمن المغلق، وإلى الأفكار التي تعود إلى بدايتها مهما ابتعدت. أما النقطة فتمثّل البداية والنهاية في الوقت نفسه؛ فمن نقطة يبدأ الخط، وإليها يعود كل شيء. ويستثمر الكاتب كذلك صورة الثعبان الذي يلتهم ذيله، في إشارة إلى دوران الإنسان داخل أسئلته الوجودية من دون الوصول إلى يقين نهائي. هذه الرموز لا تُستخدم للزينة اللغوية، وإنما تشكّل جزءًا من البناء الفكري للرواية، ولذلك يشعر القارئ أنّ كلّ تفصيل فيها يؤدي وظيفة دلالية.
الشخصية والسرديات
أما شخصية عبد الله طرشي، فتُعدّ من أكثر الشخصيات غموضًا وإثارة للتأويل. فهو ليس مجرّد رجل يروي الحكايات للأطفال، بل يبدو كأنه تجسيد لفكرة النسيان نفسها. إنه يمنح الآخرين راحة النسيان، لكنه، في المقابل، يسلبهم شيئا من براءتهم وذكرياتهم. ويمكن قراءة هذه الشخصية على مستويات متعددة؛ فقد تكون رمزًا للسلطة التي تصادر الذاكرة، أو للماضي الذي يبتلع الحاضر، أو حتى للكاتب الذي يعيش داخل حكايات الآخرين. وهذا الانفتاح على التأويل يمنح الرواية ثراءً فكريًّا واضحًا.
ومن العناصر الفنية المهمّة اعتماد الرواية على تعدّد الأصوات السردية. ففي البداية، يسيطر صوت البطل، ثم ينتقل السرد إلى الطبيب، فتتغير زاوية الرؤية وتتبدل الحقائق. هذا الانتقال لا يضيف تنوُّعًا شكليًّا فحسب، بل ينسف فكرة الحقيقة المطلقة. فكلّ راوٍ يقدّم عالمه الخاص، ويحاول إقناع القارئ بصدقه، بينما تظلّ الحقيقة معلّقة بين الروايتَين. وبهذا، ينجح الكاتب في تحويل القارئ إلى قاضٍ يحاول جمع الشهادات المتناقضة، من دون أن يمتلك الأدلّة الكافية لإصدار حكم نهائي.
تنجح الرواية في تحويل فعل القراءة إلى تجربة من الشك والتأمل، إذ لا يكتفي القارئ بمتابعة الأحداث، بل يجد نفسه يعيد تقييم كلّ معلومة وكلّ شخصية مع كلّ فصل جديد. وهذه القدرة على زعزعة اليقين تمنح النص حيويّة خاصة، وتجعله عملا مفتوحًا على قراءات متعدّدة لا تستنفدها قراءة واحدة.
بين الشعر والاقتصاد
وتتميّز لغة سمير قسيمي بجمال خاص يجمع بين الشعرية والاقتصاد. فهو لا يبالغ في الزخرفة اللفظية، لكنه يصنع صورًا عميقة تبقى عالقة في الذهن. كما أنّ جمله تحمل إيقاعًا هادئًا يتناسب مع طبيعة الرواية التأملية، بينما تتداخل الاستعارة مع الفكرة الفلسفية بصورة تجعل النص غنيًّا بالمعاني، من دون أن يفقد سلاسته. ويُحسب للكاتب أنه حافظ على هذا المستوى اللغوي طوال الرواية، فجاءت اللغة خادمة للفكرة، لا متسلّطة عليها.
ومن الناحية الثقافية، يمكن النظر إلى الرواية بوصفها تأمُّلا في الإنسان العربي المعاصر، الذي يعيش بين ذاكرة مثقلة بالماضي، وسلطات مختلفة تحاول تشكيل هويته أو إعادة كتابتها. فالمصحّة النفسية لا تبدو مجرّد مكان للعلاج، بل تتحوّل إلى فضاء رمزي يعكس أنظمة الرقابة والسيطرة، بينما يصبح الرقم الذي يحلّ محلّ الاسم رمزًا لتحويل الإنسان إلى ملف أو بيانات، بدلا من الاعتراف بفرادته وخصوصيته. ومع ذلك، لا تقع الرواية في المباشرة أو الخطاب الأيديولوجي، بل تترك رموزها وإشاراتها مفتوحة أمام القارئ. وهذا ما يمنحها قيمة أدبية وثقافية، لأنها تحترم ذكاء المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيرًا واحدًا. وربما لهذا السبب، تبقى الرواية حاضرة في الذهن بعد الانتهاء منها، إذ تستمرّ أسئلتها في ملاحقة القارئ حتى بعد إغلاق الكتاب.
في المحصّلة، تقدّم رواية "الكهل الذي نسي" نموذجًا للرواية العربية التي تمزج بين العمق الفكري والإبداع الفني. فهي تناقش قضايا الهوية والذاكرة والكتابة والسلطة من خلال بناء سرديّ محكم، وشخصيات رمزية، ولغة رفيعة. ولا تكمن قيمة العمل في كشف حقيقة واحدة، بل في قدرته على زعزعة اليقين، ودفع القارئ إلى مراجعة تصوّراته عن الذات والوجود. ولهذا، يمكن القول إنّ سمير قسيمي لم يكتب رواية عن رجل نسي ماضيه فحسب، وإنما كتب رواية عن الإنسان الذي يحاول، وسط عالم سريع التحوّل، أن يتشبث بما يجعله إنسانًا: اسمه، وذاكرته، وحكايته.
الروائي في سطور سمير قسيمي روائي وصحافي جزائري، عمل محاميًا ومحرِّرًا ثقافيًّا وأدبيًّا في عدة منابر عربية. صدرت له عدة أعمال سردية لاقت حضورًا نقديًّا في المشهد الأدبي العربي، منها تسع روايات تُرجم بعضها إلى الفرنسية، من بينها: "يوم رائع للموت"، و "حب في خريف مائل"، و "الحماقة كما لم يروها أحد". وقد وصلت رواياته إلى القوائم القصيرة في جوائز عربية وأجنبية مرموقة. علمًا أنّ أعماله تُدرّس وتُناقش نقديًّا في جامعات عربية وفرنسية وألمانية، ويُعدّ من الأصوات البارزة في الرواية العربيّة المُعاصرة. |