بعد انتشار فيديو ثانويّة المناهج في طرابلس يعلن فيه التّلاميذ عن رفض مشاركتهم فرحة "عيد النّصارى" حفظًا لعقيدتهم الإسلاميّة سارع الأصوليّون الشّيعة إلى استغلال الحادث لتعويم أنموذجهم الثّيوقراطيّ الشّيعيّ "غير التّكفيريّ"، وكما العادة شاركهم في الدّعاية مناصرو التّيّار الوطنيّ الحرّ. هذه العلاقة بين حزبٍ أصوليٍّ إسلاميٍّ ذي أهدافٍ توسّعيّةٍ وتيّارٍ سياسيٍّ يمثّل جزءًا من المجتمع المسيحيّ، لا تختصرها فكرة "الالتزام الحزبيّ" عند المناصرين العونيّين، بل ثمّة بُعدٌ تنظيريٌّ يحرّك سلوكيّاتهم، ويمكن تسميته "فرضيّة أُخُوّة الألم".
ظهرت علنًا هذه الفرضيّة في بداية الحرب الأهليّة السّوريّة، وتموضع حزب الله الطّائفيّ والسّياسيّ دفاعًا عن نظام الأسد، وظهور أصوليّين إسلاميّين سنّة وصّفهم حزب الله "بالتّكفيريّين" تمييزًا لأصوليّته الإسلاميّة عن أصوليّتهم (مركّزًا على جانبٍ سطحيٍّ، عنيتُ الخطاب الأصوليّ الذي يستخدم تعابير مثل "كفّار" عوضًا عن "يمين مسيحيّ"). وفي هذا السّياق بدأ العونيّون يروّجون لفرضيّة أنّ الأصوليّة الشّيعيّة أقلّ تطرّفًا من الأصوليّة السّنّيّة، وأنّ الإسلام السّياسيّ الشّيعيّ أكثر تقبّلًا للاختلاف منه إلى الإسلام السّياسيّ السّنّيّ، نظرًا إلى أنّ المجتمع الشّيعيّ قد خضع في أزمنةٍ محدّدةٍ إلى القمع الدّينيّ. وبحسب هؤلاء المنظّرين يشكّل الاضطهاد الدّينيّ الذي تعرّض له الشّيعة في سياقاتٍ تاريخيّةٍ محدّدةٍ والاضطهاد الذي تعاني منه المجتمعات المسيحيّة تحت الأنظمة الإسلاميّة نقطة التقاءٍ بين مجتمعَيْنِ أصبحا وفق تعبير طارق شمس "إخوةً في الألم".
ولقد جاءت هذه الفرضيّة لتلبية حاجتين: (1) تبرير خيار تموضع التّيار الوطنيّ الحرّ مع النّظام السّوريّ الذي قتل واعتقل مناصريه، وقمع مجتمعه المسيحيّ. (2) تبرير خيار التّحالف مع ميليشا إسلاميّةٍ أصوليّةٍ في مرحلة السّلم، بعد رفع شعار "رفض الميليشيات"، وقتاله معها في زمن الحرب، وتحديدًا في الحرب على القوّات اللّبنانيّة التي أطلقت شرارة الحرب الأهليّة المسيحيّة بآثارها المصدّعة مجتمعيًّا.
ولكنْ تتهافتُ دعائم هذه الفرضيّة البسيطة حالما تُقارن بالوقائع الموضوعيّة. فالمجتمعان الشّيعيّ والمسيحيّ لم يربط تاريخَهما المشترك سوى نزاعٍ طائفيٍّ تطوّر أحيانًا إلى تطهيرٍ إثنيٍّ، بخاصّةٍ إذا اكتفينا بمراجعة هذه العلاقة في العصر الحديث أقلّه (أي من حملات نادر شاه على مسيحيّي العراق في القرن الثّامن عشر مرورًا بمجزرة عين إبل على أيدي العصابات الشّيعيّة سنة 1920، وصولًا إلى التّطهير الإثنيّ لمسيحيّي جنوب لبنان سنة 2000). كما لم تكن فرضيّة "أُخُوّة الألم" سوى تنظيرٍ أحاديّ الجانب، أي من الجانب العونيّ فحسب، إذ لم يتخلَّ حزب الله عن تصوّره لبنان مجتمعًا إسلاميًّا التي تعيق تحقيق حلمه الدّيموغرافيا المسيحيّة التي بدأت تتراجع بشكلٍ كبيرٍ في السّنوات العشر الأخيرة. فقد استغلّ الثّنائيّ الشّيعيّ هذه الفرضيّة، لإحكام السّيطرة على المؤسّسات الأمنيّة، وتمكين مجتمعهما مادّيًّا للتّمدّد الجغرافيّ في العمق المسيحيّ، فضلًا عن السّيطرة على منافذ التّهريب البرّيّة، ومؤخّرًا إدخال لاجئين علويّين وشيعةٍ وحماية مجرمي النّظام السّوريّ السّابق الهاربين.
إنّ فرضيّة "أخوّة الألم"، عدا عن كونها تنظيرًا يتجاهل عمدًا الوقائع المادّيّة التي تكذّبها، أتاحت اختراق الوعي المسيحيّ، بل الأخلاق المسيحيّة، بوساطة تبرير سياسات حزب الله، أو الأسوأ تسخيف خطرها على مجتمعٍ مسيحيٍّ عانى أكثر من ثلاثين سنةً هي في معظمها عُمر حكم الشّيعيّة السّياسيّة.