يأتي عيد الميلاد المجيد ليضيء لنا التدبير الخلاصيَّ الَّذي أعدَّه الله للإنسان من قبل الزمان، وهو أنه أتى إلينا واتحد بنا وأعطانا نعمة الخلاص ورفعنا إليه. هذا المجيء نسمِّيه في عيد البشارة التجسُّدَ الإلهيَّ لأنه اتخذ جسدًا في أحشاء والدة الإله وتأنس، وظهر بالجسد في الولادة الإلهيَّة في الميلاد، وذلك لتتمَّ النبوءات الَّتي وعدنا بها الربُّ في العهد القديم.
المسيحيُّون منذ القرون الأولى عبَّروا عن الخلاص الإلهيِّ بنصوص كتابيَّة وألحان وأناشيد ورسوم ونقوش وفسيفساء وغيرها. من هنا تأتي أيقونة الميلاد الَّتي تقدِّم لنا صفحة ميلاديَّة نورانيَّة.
قبل الدخول في عناصر الأيقونة، لا بدَّ من التوقف أمام نقطتين مهمَّتين:
النقطة الأولى: أقدم أيقونة ميلاديَّة تعود إلى القرن السابع الميلاديِّ، وهي موجودة في دير القدِّيسة كاترينا في سيناء. قبل ذلك، كان يوجد مشاهد ميلاديَّة من جداريَّات في دياميس روما (ق 3-4 م) مثل تصوير لوالدة الإله جالسة، وفي حضنها الربُّ يسوع المسيح يرضع منها، ويقف أمامهما النبيُّ بلعام. النبيُّ يشير إلى نجم موجود فوق والدة الإله والربِّ تيمُّنًا بنبوءته: "أراهُ، ولكنْ ليس الآن. أُبصره، ولكنْ ليس قريبًا. يَبرُز كوكب من يعقوب" (عدد 24: 17). ويسوع بالجسد هو من سبط يهوذا أحد الأسباط الاثني عشر من يعقوب.
وهناك أيضًا تصاوير لثلاثة مجوس يتقدَّمون نحو والدة الإله الجالسة، وفي حضنها الربُّ يسوع المسيح، يحملون هداياهم ليقدِّموها له، ويسجدون أمامه. بالإضافة إلى وجود نقوش شبيهة على نواويس.
النقطة الثانية: تدعونا أيقونة الميلاد إلى الدخول في السرِّ الخلاصيِّ وعيشه، وألَّا نكتفي بالمشاهدة فحسب، لأن للأيقونة أبعادًا ثلاثة: إثنان منظوران وهما طول الأيقونة وعرضها، أمَّا الثالث فهو غير منظور، وهو العمق، أي العلاقة بين المؤمن وما تمثله الأيقونة، فالأيقونة هي نافذة إلى الملكوت السماويِّ، تنقلنا من الأرض إلى السماء كما نرتل في كاطافسيَّات الميلاد: "المسيح وُلد فمجِّدوه، المسيح أتى من السموات فاستقبِلوه، المسيح على الأرض، فارتفِعوا. رتلي للربِّ أيَّتها الأرض كلُّها، ويا شعوب سبِّحوه بابتهاج، لأنه قد تمجَّد".
بالعودة إلى عناصر الأيقونة، نبدأ من الأعلى إلى الأسفل بحركة دائريَّة لنختمها بالمشهد الأساسيِّ في الوسط.
تنقسم الملائكة في الأعلى إلى مجموعتين: الأولى على اليمين، مؤلَّفة من ستة ملائكة بشكل متدرِّج. الأوَّل ينظر إلى العلى لأن الربَّ نزل إلينا، والباقون ينظرون إلى المولود الإلهيِّ. المجموعة الثانية من سبعة ملائكة يرفعون أيديهم ويسبِّحون الربَّ. لباس الملائكة بالألوان الفرحة يتناغم مع تسبحتهم: "المجد للَّه في الأعالي، وعلى الأرض السلام للناس الَّذين بهم يُسَرُّ اللَّه"، أي الناس الَّذين يعملون مشيئة الله (لوقا 2: 14).
يمرُّ بين المجموعتين شعاع ثلاثيُّ الأبعاد، يشير إلى الثالوث القدُّوس الآب والابن والروح القدس الواحد في الجوهر الإلهيِّ، وهو على شكل سيف، ارتباطًا بما تنبَّأ به سمعان الشيخ لوالدة الإله: "وأنتِ أيضًا يجوزُ في نفسك سيفٌ" (لوقا 2: 35). السيف يشير إلى الصليب، بمعنى أن والدة الإله ستشاهد ابنها الوحيد مصلوبًا. فالمولود الإلهيُّ هو المخلِّص الَّذي سيُصلَب ويقوم في اليوم الثالث، لهذا فإنَّ لحن ترنيمة "اليوم يولد من البتول" هو لحن ترنيمة "اليوم علِّق على خشبة" نفسه. وكذلك يتجه السهم نحو الربِّ، ويوجد فيه نجم يذكِّرنا بالنجم الَّذي قاد المجوس.
الملاك الَّذي يكلِّم الراعي هو الملاك السابع من المجموعة الأولى، نراه يبارك الراعي، والأخير مشدود بالكامل نحوه، تعبيرًا عن الدهشة وارتقاء الحدث. كيف لا والربُّ أتى إلينا ليرفعنا إليه؟ ثياب الملاك باللونين الأزرق والأخضر. الأوَّل يشير إلى الإنسانيَّة الساميَّة والثاني إلى الحياة الجديدة. وهذا تمامًا ما سيعطيه الربُّ للبشريَّة بتأنسه. الراعي الثاني جالس بطمأنينة يعزف بمزماره لحن الفرح والبهجة، والخراف ترعى بسلام وتشرب من جدول المياه غير خائفة من الذئاب، إشارة إلى هزيمة الشيطان وغلبة المسيح عليه.
نشاهد القدِّيس يوسف البارَّ خطِّيب مريم بلباسه الذهبيِّ جالسًا يتأمَّل السرَّ الإلهيَّ، ويقف أمامه رجل لباسه أسود قاتم يرمز إلى الشيطان الَّذي يحاول أن يوقعه، ولكنَّ يوسف لا يصغي إليه لأنَّ قلبه كان مشتعلًا بالربِّ ولم يسمح لنفسه بأن يتهم العذراء بشيء، مع أنه كان في حالة ارتباك ولم يفهم ماذا حصل، والربُّ طمأن قلبه بواسطة الملاك.
مشهد غسيل الطفل من قبل القابلة العبرانيَّة وسالومة هو تأكيد على تأنسه. ويذكِّرنا جرن المياه بجرن المعموديَّة والولادة الجديدة بالربِّ.
المجوس نشاهدهم ثلاثة مع أن متى الإنجيليَّ لا يذكر عددهم، ولكن ظهرت رسوماتهم من القرون الأولى على أنهم ثلاثة، تعبيرًا عن هداياهم الثلاث: الذهب يرمز لكون يسوع ملكًا، واللبان لألوهيَّته، والمرُّ لآلامه وصلبه. وهم مختلفو الأعمار: شابٌّ ومتوسِّط العمر ومسنٌّ، إشارة إلى أنَّ الأجيال كلَّها سجدت للربِّ. وقد يرمزون إلى القارَّات الثلاث الَّتي كانت مكتشَفة آنذاك: آسيا وأوروبَّا وأفريقيا، دلالة على أن الخلاص شمل البشريَّة كلَّها. يوجد على رأسهم علامة الأنبياء لأنهم معتبرون أنبياء، وعرفوا من النجم بميلاد الربِّ.
في الوسط يسوع مقمَّط كما جاء في إنجيل لوقا: "فوَلَدت ابنها البكر وقمَّطته وأضجعته في المذود" (لوقا 2: 7). وسنرى الأقمطة فارغة في أيقونة القبر الفارغ بعد قيامة الرب. فالأعياد مرتبطة ببعضها لأن المخلِّص هو نفسه، لهذا فإن شكل المذود يشبه شكل القبر. كما نلاحظ أيضًا أن وجه الربِّ بالغٌ دائمًا لأنه إلهٌ وتَجسَّد، وحول رأسه هالة القداسة، وفي داخلها صليب، إشارةً إلى صلبه، وثلاثة أحرف يونانيَّة OWN تعني الكائن، وهذا معنى اسم يسوع: "الكائن الَّذي يخلِّص" أي "يهوه يشع".
والدة الإله مستلقية على رداء أحمر على شكل حبَّة القمح لأنها أمُّ الحياة، ويسوع هو خبز الحياة كما قال عن نفسه: "أنا هو الخبز الحيُّ الَّذي نزل من السماء" (يوحنَّا 6: 51). وهي الأكبر حجمًا في الأيقونة والأقرب إليه لأنها ولدته، وهي تنظر إلينا لتقول: "هذا هو مخلِّصي ومخلِّصكم، فله اسمعوا".
الجبل في الخلف يشدُّنا إلى فوق، ويرمز إلى يسوع الَّذي هو صخرة الكنيسة. ووجود العذراء فيه يذكِّرنا بنبوءة دانيال عن الحجر الَّذي قطع من جبل ليس بيد بشريَّة (دانيال 2: 45). فكلُّ شيء فيها تمَّ من الروح القدس.
في الخلاصة، نحن مدعوُّون لنعيش الميلاد فنماثل الملائكة بنقل الفرح إلى المسكونة كلِّها، والرعاة بالإسراع إلى المغارة، والقابلتين لغسل قلوبنا بتوبة صادقة، والمجوس بالسجود للإله الحق، ووالدة الإله بإصغائها إلى كلمة الربِّ وتواضعها ليولد المسيح فينا، كي لا يُطبَّق علينا ما قاله إشعياء النبيُّ: "الثور يعرف قانيَه والحمار معلفَ صاحبه، أمَّا شعبي فلا يفهم" (إشعياء 1: 2) وهذا هو سبب وجود الحيوانين في الأيقونة، بالإضافة إلى نبوءة حبقوق: "وتعرف بين كائنين/ حيوانين" (حبقوق 3: 2).





