استطاعت سلسلة "Avatar" منذ إطلاقها عام 2009، أن تفرض نفسها كظاهرة سينمائيّة عالميّة، ليس فقط لثورة التقنيّات البصريّة التي قدّمتها، بل أيضًا لرسائلها البيئيّة والاستعماريّة التي تستدعي فضول المُشاهد ومشاعره. ومع صدور الجزء الثالث من السّلسلة بعنوان "Avatar: Fire & Ash"، يبدو أن المُخرج James Cameron يعود لنبرته المُتأصّلة في التعامل مع أساطير الشعوب الأصليّة من منظورٍ يمزج بين الضخامة الهوليووديّة والرمزيّة التاريخيّة.
في "Fire & Ash" يُتابع الفيلم رحلة عائلة Sully في عالم Pandora، بعد الأحداث الدامية التي شهدها الجزء الثاني "The Way of Water"، خاصةً موت ابنها البكر Neteyam، ليؤسّس السّرد على صراع أعمق مع ما يُعرف بـالشعب الناري أو "Ash People". هو قبيلة "Na’vi" جديدة متشدّدة، تعيش في بيئات قاسية قرب البراكين، وتختلف ثقافيًا عن بقية شعوب "Na’vi".
استعارة من تاريخ الأميركيّين الأصليّين
السّرد في الفيلم، وكما هو الحال منذ الجزء الأول، يستند إلى صراع بين قوة غازية متطوّرة علميًّا (البشر، بصفتهم ممثلين للتكنولوجيا والاقتتال والسّيطرة) وبين جماعة غير بشريّة تمتلك ارتباطًا روحيًا بعالمها وبيئتها. هذا الصّراع ليس مُجرّد إطار خيالي، بل استعارة واضحة للصّراعات التاريخيّة التي واجهتها الشعوب الأصليّة في أميركا الشماليّة وغيرها، عندما جرى تهجيرها من أراضيها، تجريدها من مواردها وقمع ثقافاتها. تصوير "Na’vi" كشعب متصل بالأرض وبروح الحياة (Eywa) يُحاكي جذور الفلسفات والأنظمة الروحيّة لعديد من القبائل الهنديّة الأميركيّة، بينما يُرمز للبشر الغازين بوصفهم ممَّن ينهبون الموارد ويستعملون القوّة بلا تردّد.
النقد التاريخي الذي طُرح حول السّلسلة، خاصةً بعد جزأَيها الأوّلَين، تساءل عن كونها لا تبتعد كثيرًا عن قصة المُخلّص الأبيض العرق (White Savior) والتي تُظهر الشخصيّة البشريّة كمُنقذة للشعب الأصلي، مع تجاهل العمق الحقيقي لتجارب الشعوب الأصليّة نفسها. هذا الطّرح أثار ردود فعل متباينة، بمن فيهم بعض الأميركيّين الأصليّين الذين رأوا في السّرد تبسيطًا أو استعارة ثقافية سطحيّة، بينما يرى آخرون أن العمل يفتح بابًا للنقاش حول تاريخ الاستعمار والظلم.
في "Fire & Ash" تحديدًا، يُمكن قراءة ثيمة العنف المستمر، الاضطهاد، الحاجة إلى مقاومة التدمير كإعادة تشكيل رمزية تلك المآسي التي عاشتها الشعوب الأصليّة على يد القوى الاستعماريّة. رغم أن السّرد لا يتناول أسماء أو أحداثًا حقيقيّة، إلّا أن قصة التشريد، تأثير العُنف الدائم والبحث عن هويّة وسط قوى مهيمِنة، كلّها تقفز إلى ذهن المُتلقي الذي يعرف سياق تاريخ الأميركيّين الأصليّين، من نزاعات على الأرض إلى مساعي البقاء الثقافي... وبالأخص عبر السّينما الأميركيّة نفسها، الكلاسيكيّة والمعاصرة.
إبهار وعمق
من منظور نقدي سينمائي، يُقدّم "Fire & Ash" نفس نقاط القوّة البصريّة التي ميّزت السّلسلة. مناظر بانوراميّة مُبهرة، تكنولوجيا تصوير متقدّمة وتقنيّات أداء الالتقاط الحركي (Performance/Motion Capture) التي تجعل أوجه "Na’vi" وشخصيّاتها مُركّبة بإتقان بالغ. العديد من المَشاهد تبدو كأنها تأكيد على قدرة السّينما المعاصرة على تجاوز حدود الواقع البصري وتجسيد عالمٍ خيالي جامعٍ ومُلهمٍ تدريجيًا.
لكن هذه القوّة التقنيّة تأتي أحيانًا على حساب العمق السّردي والتعاطف الحقيقي مع الشخصيات، وهو ما لفت انتباهنا عند مُشاهدة العرض الأوّل في بيروت، عبر التجربة الأروع بصريًّا "IMAX 3D". للأسف، لا يبتعد السّرد كثيرًا عن القوالب المألوفة، من الصّراع الدامي والبطولة الفرديّة وصولًا إلى المَشاهد القتاليّة الطويلة. أتى ذلك، من دون أن يُقدّم رؤية جديدة أو حوارًا دراميًا أكثر تطوّرًا حول المُعاناة التاريخيّة التي يستحضرها الفيلم. هذا الحوار، بين البُعد البصري والعمق الدرامي، يُعيد إلى أذهاننا سؤالًا أعمق: هل يستفيد الفيلم من استعارات التاريخ الاستعماري والشعوب الأصليّة كطبقة إضافيّة من الرمزيّة، أم أنهُ يوظفها كجماليّة ثقافيّةٍ تُضفي ثقلًا على الجزء الثالث بلا فهمٍ حقيقي لتجارب الشعوب التي يُستوحى منها؟ الإجابة تختلف كثيرًا بين حُكم الناقد ورأي الجمهور، إذ وجدنا عند انتهاء المُشاهدة، إلى أيّ حدّ كبير تمكّن الجزء الأخير من إعجاب الجماهير لبنانيًا وعالميًا، عبر منصّات التواصل... هذا ما يجعل جايمس كاميرون مستمرًا في مغامرته، ومشكورًا لإعادة الجمهور العريض بغزارة إلى صالات السّينما!
يظلّ فيلم "Avatar: Fire & Ash" إنتاجًا سينمائيًا ضخمًا، يُقدّم تجارب بصريّة تُحسب للسّينما الحديثة، ويواصل سلسلة من المواضيع التي شرع كاميرون في استكشافها منذ الجزء الأول: الصّراع بين الحضارات، احترام الطّبيعة وآلام الشعوب الأصليّة. ومع ذلك، فإن الفيلم يُواجه تحدّيًا نقديًا حقيقيًا عندما يُحاول أن يوازن بين التشبيه التاريخي والمعنى الرّمزي، وبين قصّة دراميّة موجزة وموجّهة لحضور جماهيري كبير.
هذا التوازن أو حتى افتقاره له في بعض الأحيان، يطرح سؤالًا مُهمًّا حول كيفيّة إدماج أفلام الخيال العلمي الكُبرى لقضايا ثقافيّة وتاريخيّة حقيقيّة من دون الوقوع في فخ التّمثيل السّطحي. لذا يبقى "Fire & Ash" عملًا قادرًا على إشعال النقاش حول كيفيّة قراءة الخيال العلمي بوصفه مرآة لآلام الماضي وآمال المستقبل، خصوصًا عندما تُستحضَر صور وتجارب الشعوب الأصليّة في سياقات روائيّة لا تخلو من الجدل.
ننصح بمُشاهدته على غير العادة مع نظارات ثلاثيّة الأبعاد، في صالات السّينما المُجهّزة لهذه التقنيّة، وأفضلها كما ذكرنا بتقنيّة "IMAX 3D".