ميشال معيكي

يُها اليسوع: مجدٌ في الأعالي وأحقاد برابرة الأرض!

5 دقائق للقراءة
المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام

يُها اليسوع؛ أكتب إليك ككائن بشريّ "لا حكم عليه"! نعرف كما في كل سنة، تتحضر لزيارة أهل الرجاء. مُفزعٌ ما صرنا فيه! لطفًا؛ تعالَ إلينا متنكِّرًا هذه المرّة - اذا أمكن - لأننا لا نريد أن يعرفوك. كلّهم هيرودوس! سيقتلونك من جديد ومرّات، لا بالسيف والصلب على الخشب بل بكل أساليب التكنولوجيا...

يا اليسوع؛ صدّقني، يكرهونك، ويكرهون وجودك وحبّك وسلامك والتسامح وسامريّاتك والغفران! يخافون دخولك إلى المعابد والهياكل التي حوّلوها مغاور "للّصوص" ويخشون سوطَك الذي كنس أدناسهم، من زمان. كما أخبَرَتنا الكتب السماوية... ذاکرٌ حتمًا تلك الوقائع. ذاكرٌ قانا وفرح العرس - في عهدك الأولاني- وتلك المروج والسفوح.

أنظر اليوم، المشهد تغيّر تمامًا، ستشاهد حقدهم على الأرض المقدسة... سترى يباس شجرة الزيتون التي صلّيت تحتها: أحرقها حقدهم... عتبنا على "الوالد" الذي انبرى، "ناطقٌ" باسمه مُنظِّرًا أنهم "شعب الله المختار"، على أن - بنظرهم - بقيّة الشعوب "زبالة"!

قانا، محيطها، ناصِرتك، بيّارات الليمون، كروم الزيتون والعنب: صيَّروها يبابًا وفحم أحقاد! تلك البيوت المتواضعة، صارت رکامات تتململ تحتها أشلاء أطفال، وذاكرة! أما قُدسك - مدينة الله - فلم يبقَ في جيوب أهلها سوى مفاتيح أبواب وذكريات عذابات التشرّد في خيام الذلّ في المنافي! كل ذلك باسم "الميعاد" المشرّع للجريمة!

يا اليسوع؛ سلالة "السامري" الصالح انقرضت، وبدلًا عن ضائع صرنا في عهد مافيات مدن الأرض والبلاطجة! صادم ما فعلته "حضارتنا"!

بارت الأرض، أفسدنا الهواء، أرعبنا حيتان المحيطات وألوان سمك البحار، نفقت الحوريات الغاوية... أرضنا، سهولنا والوديان صارت وباءات وإشعاعات مبيدة... أنهارُنا لم يبق فيها حنكليس واحد، لونها بُنيّ بكل نفاياتنا تصبّ في البحر. بُحيراتنا الإصطناعية والسدود، مُتعطشة لنقطة ماء!

أما عن مجالس الكبار الدوليّين، فثرثرات كاذبة حول الأمن العالمي وحرية الشعوب بحق تقرير مصائرها، والأمن الغذائي. يتكلّمون عن صون السلم العالمي ومنع الحروب. وفي كل يوم يستعرضون في شوارع عواصمهم قاطرات الصواريخ عابرة القارات، ويتباهون بقدراتها لتدمير مدن الناس وإفناء الجنس البشري! 

حتمًا ، لم تنسَ "حفلة" هيروشيما وناغازاكي، والتباهي - عبر أفلام الكاوبوي - بإبادات الهنود الحمر... وكنا، صغارًا، نصفق للبطل "كيت كارسون" يُغير على أكواخ القش ويغتصب الصبايا الهنديّات!

يا اليسوع؛ نحن لا نستحق ذاك الملكوت الأرضي، ولا وعود السماء. أرحنا - لطفًا - من مواعظ الفضائل والمحبة! و "من ضربك على خدك الأيمن، أدر له الأيسر". دعنا نتذابح على ذوقنا وغرائزنا، لنأخذ راحتنا؛ نتآمر، نتخاون، نتباید! ربما تجد شعوبًا، على كوكب ما، في مجرّات هذا الكون، تمارس المحبة، تعتنق الفضائل... نحن شعوب ملعونة!

مشهد آخر:

... سئمنا كلامًا من الساسة وفي السياسة، وعرانا قرف! شيء من إجازة في غَمرِ هذا الزمن الميلادي...

في تلك الليلة، عند غابر الزمن، في مذود مغارة وُلد طفلٌ، جاء ينشر السلام ويعلّم ثقافة التسامح والمحبة... وأسقط مقولة: "العين بالعين والسن بالسن"...

منذ ألفِيَّتَين اخترعنا آلهة وأربابًا على قياس همجيّتنا. "نمون" عليها، و "تغفِرُ" كل جرائمنا والشرور!

أيها البشر؛ دعونا نلوذ بذاكرة النقاء، نتناسى في إجازة، بعضًا من همومنا والأرق السياسي... ننسى همجية حُكم السلالات، وقَبضاتِ العسكرة، نُشيح عن تغوّل الأنظمة القابضة على خناق بشر الكوكب وثرواته، باسم الليبرالية واقتصاد السوق! لنتناسى ظلامية أهل الكهوف، الزاحفة من مضارب جاهلية التاريخ، على قاعدة: "السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتب"...

نتناسى جرح القدس وغطرسة أهل الميعاد ومخيّمات النزوح والذل، ومقايضات البيت الأبيض والكرملين. لننسى. هنيهات فقط، في استراحة لحظة لنكمل جلجلة الزمن، لطفًا دعونا نصدّق حلم شيخ الصقيع وهدايا غزلان البراري... في الزمن الميلادي، صوّبوا نحو الذاكرة.

كان كلّما انشلح ثلج على حَنوةِ الجبل، واكلولح الأفق، وعبق بالغيم الأسود الزاحف من أفق البحر، يُهَمدِرُ جَدّي: "روحوا انضبوا يا ولاد، الدني طالعا بالشتي". تلك السهرات، حدّ المغارة والطفل والمجوس والرعيان... حول الكانون، والجمرات تغمز حبّاتِ الكستنا والبلّوط... تفرقع، و "تنطّ" إلى الأحضان مع بقايا الجمر والرماد، "تلطع" أصابع الطفولة. على جلد الخروف، وخبريّات ستي عن الشاطر حسن وجزر السندباد، ووين صرنا يا ولاد؟ ترافقها العيون والأفكار، وخوفنا على يوسف الحسن المشلوح بالبئر...

في الخارج سيفُ البرق يشق خدّ السماء. رُعبًا نطير كالسنونو الى تحتِ اللّحاف، نسابق صوت الرعد، نخبّئ الرؤوس من قصف الصواعق، على وقع زخ المطر...

في حلقنا اليوم، حنين إلى رائحة قشر الليمون على الجمرات الهازجة... وتزريك الجيران على دق الباصرة. وغالبًا "سِت الكُبّا" و "قوموا عالسبعة ونص".

في الذاكرة، كانت الدنيا تنتهي عند مشارف الضيعة، وحدود دعس الثلج، حيث تُسكّر الدروب وتشرئبّ مداخن الحطب... كان لشتاء الميلاد طعم الثلج مع دبس العنب والخروب، وزرقة الصقيع على رؤوس أصابعنا الصغيرة، وذلك الفرح السماوي، حتى نشوة الأبيض بنكهة الثلج والدروان...

أجمل من النسيان، شالات ثلج مغناجة، تنشلح من ذاكرة المستقبل، تُنسي هول الدماء والرماد واستغاثات البشر من حكّامهم، وتوقظ في النفوس حنينًا إلى القِيَم والقامات...

عفوًا طفلنا: كلّنا قاسيين، وهذي أحوال البشرية على كوكبنا! طفل المغارة؛ المسألة ليست شخصيّة، دعوتكم مثالية، طوباوية، لا تناسب مزاجياتنا! بصراحة: لم تتوفّق بنا - صدقاً ومن غير زعل - نحن توفقنا بك! ومع ذلك: المجد للّه في الأعالي والقدّاسات، وعلى الأرض حقد المصالح، وبرابرة الجحيم.