ديفيد هرزنهورن

المشكلات أكبر من قدرات ميركل... تقييم لأحداث أوروبا في العام 2020

12 كانون الأول 2020

المصدر: Politico Magazine

02 : 01

في آخر عقد ونصف، كان الاتحاد الأوروبي يستطيع عموماً الاتكال على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كي تأتي لإنقاذه. لكن في ظل انتشار فيروس كورونا، والمماطلة في المحادثات المرتبطة بخطة "بريكست"، والمأزق المتعلق بالميزانية، ومجموعة أخرى من الاضطرابات الجيوسياسية، لا سيما في شرق البحر الأبيض المتوسط، تحوّل العام 2020 إلى مستنقع جهنمي من المصاعب السياسية، وحتى الأم الحاكمة والمتّزنة في أوروبا، أنجيلا ميركل، أدركت أن المشكلات تفوق قدراتها.

من المتوقع أن يتشابك عدد كبير من هذه المشاكل خلال قمة مجلس الاتحاد الأوروبي، وهو اللقاء الأخير بين 27 رئيس دولة وحكومة خلال رئاسة ألمانيا للمجلس. تتجه مسائل معينة إلى الحل على ما يبدو، منها المأزق المرتبط بحزمة الميزانية والتعافي في الاتحاد الأوروبي وتبلغ قيمتها 1.82 تريليون يورو، فقد قادت ميركل الجهود اللازمة لعقد تسوية بعدما اعترضت بولندا والمجر على آلية جديدة تربط بين أموال الميزانية واحترام حُكْم القانون. لكن سيكون الحل جزئياً في أفضل الأحوال في مسائل أخرى مثل طريقة التعامل مع الاستفزازات التركية في البحر الأبيض المتوسط، حتى لو قرر القادة خلال القمة فرض عقوبات إضافية في نهاية المطاف.

على صعيد آخر، لا يذكر جدول الأعمال شيئاً عن مسائل حساسة أخرى، لا سيما تعديل سياسة اللجوء والهجرة، مع أن الكثيرين في الاتحاد الأوروبي كانوا يأملون في حل هذه الملفات أخيراً أو معالجة نقاطها الأساسية على الأقل خلال رئاسة ألمانيا للمجلس الأوروبي طوال ستة أشهر. لقد فشل الوزراء والسفراء في إحراز ما يكفي من التقدم في المفاوضات للسماح للقادة بمناقشة أي اتفاق محتمل. لكن لا يمانع البعض هذا الوضع نظراً إلى وفرة البنود على جدول الأعمال أصلاً.

لا يستطيع بعض المسؤولين والديبلوماسيين أن يتخيّل ما كان الاتحاد الأوروبي ليفعله لتدبّر شؤونه لو استلم بلد آخر أو زعيم وطني مختلف رئاسة المجلس في النصف الثاني من هذه السنة. حتى أن التحديات السياسية التي واجهتها ألمانيا بعد استلام رئاسة المجلس توازي تسلّق جبل إيفرست برأيهم.

يقول ديبلوماسي في الاتحاد الأوروبي: "تُعتبر الهجرة من أكثر الملفات السياسية الحساسة في أوروبا، فهي تُقسّم الدول على المستويَين الوطني والدولي. ثمة حزمة مطروحة على الطاولة الآن، وهي ممتازة فعلاً، لكن من الطبيعي أن يتطلب النقاش حولها بعض الوقت. كانت ألمانيا طموحة جداً في توقعاتها لكن بدا إقرار الحزمة خلال عهدها شبه مستحيل منذ البداية، لا سيما في ظل المشاكل الأخرى التي يتعامل معها الألمان. حتى لو كان البلد يتمتع بهذا الرصيد السياسي الكبير، لا مفر من أن يحتاج إلى تقسيم ذلك الرصيد حين يتعامل مع ملفات حساسة من هذا النوع دفعةً واحدة".

كان وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر يتمنى على الأقل أن يتم التوصل إلى اتفاق سياسي واسع حول ملف الهجرة، لكن أصبح إبرام هذه الصفقة عبر مؤتمرات الفيديو مستحيلاً بسبب استفحال الوباء بدءاً من تشرين الأول واضطرار برلين لتنظيم معظم اجتماعاتها عبر شبكة الإنترنت.

اتّضح حجم الضغوط التي تعرضت لها ميركل وقادة آخرون في معظم فترات العام 2020 في برلين يوم الأربعاء الماضي، حين خاطبت المستشارة الألمانية المجلس التشريعي الاتحادي وناشدت المشرّعين والرأي العام أن يدعموا تشديد تدابير احتواء فيروس كورونا.

أوضحت ميركل في خطابها ضرورة تخفيف التجمعات خلال فترة الأعياد، فقالت: "أنا آسفة. أنا آسفة من أعماق قلبي. لكن إذا كان الثمن الذي سندفعه هو تسجيل 590 حالة وفاة يومياً، سيكون الوضع غير مقبول". قد يتشجع القادة على توسيع أهدافهم في الملف المناخي في حال عقد اتفاق خلال القمة حول حُكْم القانون وحزمة الميزانية والتعافي. عبّرت مجموعة دول عن ترددها في قبول الأهداف الجديدة رسمياً ما لم تتلقَ ضمانات حول تخصيص موارد مالية في الميزانية لتسهيل عمليات تخفيض الانبعاثات.

من ناحية أخرى، تأجّل انطلاق المحادثات حول الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي مع مقدونيا الشمالية وألبانيا، وهو هدف آخر خلال رئاسة ألمانيا للمجلس الأوروبي. إنه واحد من المواضيع التي ستَرِثها البرتغال حين تستلم رئاسة المجلس في 1 كانون الثاني.

لم تنطلق المحادثات مع مقدونيا الشمالية بسبب رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف الذي يُعتبر حليفاً سياسياً لميركل في الحالات العادية.

ثم اعترف وزير الشؤون الأوروبية الألماني مايكل روث بأن وضع المراوحة شكّل "ضربة موجعة لسياستنا في غرب البلقان".

قال روث يوم الثلثاء: "يمكنكم أن تشعروا حتماً بحجم الخيبة التي أصابتني شخصياً. كان وزير الخارجية الألماني ووزير الشؤون الأوروبية والمستشارة الألمانية بحد ذاتها ملتزمين جداً بمعالجة هذا الملف. لكننا لم ننجح في إقناع الأطراف الأخرى بقدر ما كنا نتمنى".

لا يمكن تحميل ميركل مسؤولية معارضة بلغاريا المشتقة من خلاف لغوي تاريخي. لكن يثبت عجز المستشارة عن الضغط على بوريسوف لأن سلطتها بدأت تتلاشى في آخر سنة من عهدها.

تكمن المفارقة في احتمال أن تكون صلاحيات ميركل قد تراجعت لأن بلدها بات مضطراً، بعد استلام رئاسة المجلس الأوروبي، للتصرف كـ"وسيط نزيه" في النقاشات السياسية ووضع أهدافه الوطنية الخاصة جانباً. من الواضح أن ذلك الواجب يفرض على ميركل التحلي بالصبر في تعاملها مع اعتراض المجر وبولندا على حزمة الميزانية أكثر مما كانت لتفعل في ظروف أخرى.

في ملف "بريكســـت" الذي يخيّم منذ الآن على أجواء القمة، لم تستطع ميركل أن تحرز تقدماً كبيراً لوقف تعطيل المفاوضات التجارية مع بريطانيا. أشاد عدد كبير من المسؤولين والديبلوماسيين بدور المستشارة الألمانية في الحفاظ على وحدة 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تزامناً مع تصاعد الضغوط قبيل انتهاء الفترة الانتقالية التي تسبق تنفيذ خطة "بريكست" في 31 كانون الثاني. يقول ديبلوماسي أوروبي: "إذا لم يُعقَد أي اتفاق، لن يقع اللوم على ألمانيا بل بريطانيا".

ستُعتبر رئاسة ألمانيا لمجلس الاتحاد الأوروبي تاريخية حتى لو اقتصر إنجازها على الاتفاق حول حزمة الميزانية والتعافي في تموز الماضي. تشمل هذه الحزمة ديوناً مشتركة بقيمة 750 مليار يورو وتهدف جزئياً إلى تمويل هبات للتعافي. كانت تلك الخطوة غير مسبوقة لتعزيز التكامل المالي المنشود. لكن في إشارة أخرى إلى وفرة انشغالات قادة الاتحاد الأوروبي، أو ازدحام جدول أعمالهم على الأقل، ألغى قادة الاتحاد الأفريقي قمة افتراضية مقررة يوم الأربعاء في اللحظة الأخيرة.

كان من المخطط أن يكون ذلك الاجتماع على شكل قمة عملاقة بين 55 رئيساً من الاتحاد الأفريقي، لكن تراجع حجم المشاركين مرتين حتى الآن: تقرر في البداية أن تشارك مجموعة صغيرة من ستة قادة أفارقة يلتقون شخصياً مع 27 رئيساً من الاتحاد الأوروبي، ثم اقتصر الاقتراح على تنظيم مؤتمر عبر الفيديو مع رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وأنجيلا ميركل. لكن حتى هذا الطرح لم يكن قابلاً للتنفيذ في نهاية المطاف وسرعان ما ألغته الدول الأعضاء الخمس في مكتب الاتحاد الأفريقي ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي.

في هذا السياق، يقول مسؤول في الاتحاد الأفريقي: "حاول الاتحاد الأوروبي أن يفرض اجتماعاً مباشراً بين القادة لكننا رفضنا. لم نكن نظن أن مستوى تناقل العدوى، لا سيما في أوروبا، يستحق المخاطرة بالصحة العامة عبر إرسال خمسة رؤساء دول إلى مدينة تتعامل أصلاً مع حالة صحية طارئة وخطيرة. لكن تبيّن بالأمس أيضاً أن عدد أعضاء المكتب القادرين على السفر ليس كافياً بسبب كثرة انشغالاتهم".

قال المسؤول نفسه إن الأفارقة تفاجأوا حين أصرّ ميشال، الذي يعطي الأولوية للعلاقات مع أفريقيا دوماً، على تنظيم مؤتمر غير رسمي عبر الفيديو بدل الانتظار وإعادة تنظيم اجتماع أفضل في السنة المقبلة. ثم تساءل: "أصرّ الأوروبيون على هذا اللقاء بقوة. ما السبب؟ لماذا أرادوا حصوله في ذروة الوباء؟ أليس لديكم انشغالات أخرى"؟

في غضون ذلك، اعتبر المسؤولون الألمان أن برلين بذلت جهوداً كبرى خلال ترأسها لمجلس الاتحاد الأوروبي رغم الظروف الصعبة، لكن بقيت الأهداف التي يمكن تحقيقها محدودة بدرجة معينة.

تقول كاتيا ليكيرت، نائبة رئيس التحالف السياسي الديموقراطي المسيحي التابع لمعسكر اليمين الوسطي بقيادة ميركل في المجلس التشريعي الاتحادي: "أثبتت رئاسة ألمانيا للمجلس الأوروبي حتى الآن ذكاء القيادة عبر الحفاظ على ثبات الوضع. لقد بذلنا كل ما بوسعنا حتى اليوم للتوصل إلى التسويات المطلوبة في ملف الهجرة أو الميزانية أو توسيع الالتزامات أو حماية المناخ. لكن يجب أن يلاحظ الجميع وجود طيف واسع من المصالح بين الدول الأعضاء".

أخيراً يقول غونتر كريشباوم، مشرّع بارز في حزب "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" ورئيس لجنة الشؤون الأوروبية في المجلس التشريعي الاتحادي: "تستطيع برلين الاتكال أيضاً على "الرئاسة الثلاثية"، أي الشراكة مع البرتغال وسلوفينيا اللتين ستستلمان رئاسة المجلس في الفترة المقبلة، لوضع اللمسات الأخيرة على عدد من المسائل التي بقيت عالقة في عهد ألمانيا. في ما يخص المواضيع التي بدأت ألمانيا تعالجها ولا تزال بحاجة إلى نقاشات إضافية، يمكننا أن نتكل على البرتغال كي تتابع هذه المسائل حين تستلم الرئاسة بعدنا".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.