على نواصي الأزمنه، كنهاية السنة، يخرج الإنسان من ضيق الحدث المباشر إلى رحابة آفاق أوسع تطرح ما هو أكثر عمقًا حول مسيرته ومعنى وجوده.
مر لبنان كسائر الشرق الأوسط بمراحل عرف كل منها تراجعًا عمّا سبقه. لكن تطورات المنطقة ولبنان الأخيرة تعد بإيقاف ذاك الانحدار وربما انكفائه.
لنأخذ لبنان. مرّ وطننا بأربع حقبات، استعرتُ من أحمد شوقي استعمال "زمنًا" لكل منها.
الزمن الأول استمر ما زاد قليلًا عن عقدين هو "زمن الانتداب الفرنسي" الذي أرسى مؤسسات وقيم الدولة الحديثة، كما قام بإعداد قضاء وإدارة متطورة وبنية سياسية لاستمرار المسيرة بعد فترة الانتداب.
من لم يستسلم لعواطفه لن يجد صعوبة بالاعتراف بأنها كانت الفترة الأفضل على مستوى مؤسسات الدولة واستقلال القضاء، كما أنها أرست مبدأ "حكم القانون" الذي حمى الحريات بما فيها حريات التعبير. ثم، والتجرد رائدنا، فاقت باستقلال القضاء كل المراحل اللاحقة لها. من الأمثلة الصارخة تبرئة أنطون سعادة من تهمة العمالة لإيطاليا، وفي حقل القضاء العادي، رد دعوى الحجر على مي زياده. عليّ أن أضيف أيضا حكمًا لسامي الصلح خالف به بصورة صارخة القانون الوضعي تأييدا لمبدأ العدالة، "الحق الطبيعي".
خلف الانتداب "الزمن الماروني" الذي استمر على خطى الفرنسيين وإن انزلق إلى ما تفادته سلطات الانتداب. أهمها محاكمة أنطون سعادة وإعدامه بعد محاكمة صورية، لكن ما يحتسب للقضاء اللبناني، بمجلسه الأعلى ومحامي الدفاع، جرأتهم على استنكار تلك الانتهاكات.
الانتهاك الآخر في الزمن الماروني تناول محاكمة القوميين السوريين مرة أخرى بعد فشل محاولة انقلابهم عام 1962. خاصة تكليف "المحكمة العسكرية" إجراء المحاكمة ما أثار اعتراضًا قانونيًا واسعًا واستعفاء القاضي عبد الباسط غندور.
لكن الطور الأخير من "الزمن الماروني" وتحت وطأة الأحداث، كان الأسوأ والوصمة الكبرى في سجل القضاء اللبناني. ذاك هو إنشاء "المحكمة العسكرية الدائمة"، التي هبط بها قضاء لبنان إلى حضيض لا مثيل له وكان حل هذه المحكمة على رأس طلبات مؤسسات حقوق الإنسان في لبنان والعالم.
مما يحتسب للزمن الماروني في جانبه السياسي الالتزام إلى حد بعيد بالضوابط الأخلاقية. تلك بعض الأدلة:
بعد 9 سنوات من رئاسة الجمهورية لم يورّث بشارة الخوري، حسب علمي، إلا بيتًا تحيط به حديقة صغيرة في جوار جامعة الكسليك. بعدها بسنوات اشترت الجامعة العقار، ولما لم تجد في البناء ما يحافظ عليه، هدمته وسوّت الأرض وأضافتها إلى مرأب سيارات طلبة الجامعة.
الرئيس كميل شمعون ترك لورثته، حسب المحامي انطوان برتو الخوري الذي نظم حصر إرثه، "700 ألف ليرة لبنانية نصحه صديقه من آل جابر بتحويلها لدولارات بلغت قيمتها مئة وثلاثون الف دولار". أما عقاره في السعديات "فكان على من يريد شراءه حسم كلفة رفع أنقاض البناء الذي فجّره الثوار".
الرئيس شارل الحلو كان يسكن عقارًا إلى الجنوب من أرض بشارة الخوري في الكسليك تحيط به حديقة مهملة. عرفت شخصيًا ذاك المسكن إذ طوال 6 أشهر من العام 1982 كنا نعقد اجتماعات أسبوعية برئاسته يحضرها 7 شخصيات من وزراء وقاضٍ وأيضًا الدكتور انطوان فتال.
بعدها بسنوات أردت أن أدوّن شيئًا عن تلك اللقاءات بما فيه نوع الضيافة. حاولت إحياء الذاكرة لجهة من كان يهتم بنا، هل هي فيليبينية أم من جنسية أخرى، فكل ما استطعت استحضاره أن اللبنانية الأولى، المنحدرة من آل طراد إحدى عائلات بيروت الثرية، كانت تخدمنا بشخصها.
ثم كان الزمن السني الذي يحتسب له تطوير بنى الدولة وتحديثها. لكن يؤخذ عليه رفع الفساد إلى درجات أسطورية. كانت الأموال والهبات الرافعة الأولى للوصول إلى الحكم والاستقرار به. فساد ورشاوى طالت كل ذي وزن بدءًا بالسوريين وانتهاء باللبنانيين.
خلف "الزمن السني"، زمن "تطوير المؤسسات والفساد" كان "الزمن الشيعي" سمته كانت "تدمير المؤسسات والإسراف بالفساد إذ دمّر ما قدّر له تدميره منها خاصة السلطة التشريعية.
لمَ هذا التمايز بين الأزمنة؟ هل يعود لتربية نشأ المسيحي عليها دون سائر شعوب لبنان؟ حتمًا لا. السبب يعود في ظني قيميًا إذ كل فترة تبنت قيمًا وأرستها. الفترة الأولى سادت فيها قيم حكم طورتها الحضارة الغربية وقوامها حكم القانون وفصل السلطات والمحاسبة الدورية. قيم نشروها حيث بسطوا سلطتهم وكان المسيحيون أدنى لقبولها من سائر شعوب لبنان. بانحسار تلك القيم قام مكانها وانتشر ما يخالفها، من "استبداد شرقي" في الفترة الأولى وقيم "ولاية الفقيه" في ما بعد.