المحامي محمد آصف ناصر

الآخر

11 دقيقة للقراءة

يصادف الإثنين 22 كانون الأول عيد ميلاد أخي حسان التاسع والثلاثين، حسان بركة السماء وبوح الحكمة منّ علينا الله برفقته إثني عشر عامًا قبل أن يسترجع أمانته ويستعيد النفس المطمئنة إلى جواره راضية مرضية. من أهم صفات حسان كان إدراكه الفطري لتمايز الآخر وللمحبة الإنسانية فكان عقدة الوصل بين أترابه في لبنان وألماتا يجيد العلاقة الإنسانية مع كل الأعراق والجنسيات ولا يستشعر حرجًا من التعاطي بإلفة مع أخيه الانسان، فأصدقاؤه سواء في المجمع الدبلوماسي في ألماتا أو في مدرسة راهبات المحبة دار النور كانوا سواء لديه يحبهم ويمرح معهم ويصادقهم.


سيقول قائل أهذا غريب؟ فالأطفال جميعهم هكذا وهكذا فطرنا الله، لكن مع كل عيد "نصراني" تطالعنا فتاوى عن حرمة التشبه بـــ"المشركين الكفار"، وعدم جواز الاحتفال بأعيادهم أو توجيه التمنيات الاجتماعية بمناسباتهم، ووصل الى درجة تصوير فيديو ارتكبت فيه جرائم مشهودة وموصوفة في قانون العقوبات ومع ذلك تُرك المرتكب نتيجة تحرك عدد قليل من الناس تحت شعار "هذه عقيدتنا"، كما حُفظت شكوى قدَّمُتها في 14 أيار 2025 ضد عصبة التأمت وراحت تكيل الشتائم والسباب لطائفتي دون مبرر، وكما يتم إطلاق ناعق من هنا وشتّام من هناك بعد 24 ساعة توقيف، بالرغم من عبثهم بالسلم الأهلي واعتدائهم على أمهات المؤمنين وصحابة الرسول (ص). هذا المنوال الساري في تخفيف تركيز العدالة في مكافحة الفتنة يؤدي حكمًا إلى تفاقم هذه الحالات وربما في وقت لاحقًا انعدام الوازع في وجدان المجتمع، غير ان الوازع لا يمكن أن يكون قهريًا قضائيًا فقط، فالمعطى الأول الذي تستخلصه من مشهد "هذه عقيدتنا" هو المفهوم الملتبس عن الآخر، فالآخر في هذا الدرك الثقافي غير موجود ككائن له حقوق وإنما هو عدو مجهول منتم إلى دار الكفر وهذا المعطى تستنبطه من فكر الإسلام السياسي الأعجمي بفرعيه، فبالنسبة إلى جماعة الدين السياسي الذين يتأكلون سياسة بالدين، الدين بالنسبة إليهم ليس سبيلا إلى الباري بقدر ما هو عقيدة سياسية ونظام حكم وسلطة وهنا عند دين السلطة ينهار السلم القيمي الديني خدمة لمصالحة السلطة.


الآخر في الفكر البدائي هو العدو الآتي من غياهب المجهول ليقاسمك مواردك المحدودة، بينما في الفكر المتحضر فهو فرصة استكشاف وسبر أغوار معرفية جديدة وفرصة ربح وتجارة، وما قصة شكيم وأبناء يعقوب في التوراة إلا دليلًا على اختلاف مقاربة الآخر بين الفكر البدائي والفكر الحضري. والآخر في الفكر المقدوني مثلًا لم يكن موجودًا وكان هذا المفهوم سببًا في انقلاب جنرالات الاسكندر عليه بعد أن دعاهم لتقدير عظمة الحضارات التي قهروها، والآخر في الفكر الروماني الأول لم يكن موجودًا بل كان تهديدًا وجوديًا تعاطى معه كيتو بالتحريض على ثلاثة أطواب تين قطفهم من بساتين قرطاجة إلى أن دمروها وزرعوها ملحًا لكيلا ينبت فيها شيء، وحتى نظام بريتور الأجانب الذي أسسته روما بعد الحرب البونية الأولى استجابة لحاجات توسع سيطرتها وخضوع شعوب جديدة لسلطانها لم يكن يتعاطى مع الاجنبي كإنسان كامل، وعندما سعى يوليوس قيصر في إصلاحاته منح الغاليين والإيطاليين حق التمثيل في مجلس الشيوخ الروماني سقط صريع سكين بروتوس. هذا النهج يستعيده فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، فالآخر غير موجود في نظام ما بعد العولمة، بالرغم من طروحات راسل عن الشراكة مع الآخر المختلف في بناء السلام العالمي.


يتأرجح الآخر في الفكر الفلسفي الغربي بين كونه خصمًا في صراع الاعتراف (هيغل)، أو شريكًا في بنية الوجود (هايدغر)، أو تهديدًا للحرية (سارتر)، ليغدو في نهاية المطاف أساسًا للأخلاق والمسؤولية (ليفيناس)، أما في الفكر السياسي فلم تتجاوز النخب الأميركية جيناتها الرومانية لاعتبار أن لا حقيقة إلا حقيقتهم، وفي هذا الإطار كان الحضور الترمبي المحدث في اعتماد منهاج برتراند راسل وتقديمه على نظرية فوكوياما، فالخلفية التجارية للإدارة الحالية تجعل من البراغماتية النفعية منهاج حكم بدلا من الوصولية الانتهازية، فالأولى تتجرد من الأفكار الصلدة في مسعاها لتحقيق منافع عامة واقعية أما الثانية فتتجرد من الأخلاق لتحقيق مصالح خاصة ضيقة على حساب الصالح العام، وفي هذا تكون القراءة الحقيقية للتفاضل بين منهجية أوباما ومنهجية ترمب، ففيما الأول أدخلنا وهو يحاضر بالسلام والمحبة بين البشر في أتون حروب لا تنتهي مدمرا جذر الحياة في بلادنا وزارعا الملح في جيناتنا جاء الآخر بحقيقته الجافة منهيا صراعات بواقعية جافة ودون قفازات ولو اضطر أن ينثر بعض الكولونيا ليحجب رائحة دماء العلويين المنبثقة من ضيفيه.


الآخر في الفكر العلوي مسألة أخرى، فمنهاج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يمنع التعصب ويجعله سُنّة إبليس فيقول في الخطبة القاصعة: "فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ" ... فــ"الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، وكما جاء في الحديث الشريف: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، مصدقًا لما جاء في الذكر الحكيم: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"، هذا المنهاج العلوي وقراءة العلوي للإسلام ومقاربته للآخر، فها هو الأمير الحسن المكزون السنجاري يقدّم الآخر كمرآة روحية:


إذا ما رأيت الخلق شتّى فإنهم

 إلى أصلهم في الحق يرجعون

والحسن بن حمزة الشيرازي يؤكد على وحدة الأصل الإنساني، ويرى الآخر كأخ في الإنسانية:

وما الناس إلا إخوة في حقيقتي

وإن فرّقتهم دعوة واختلاف

وها هو ابن معمار الصوفي يقدّم الآخر في إطار التجربة الصوفية كطريق إلى الفناء في المطلق:

أرى فيك وجهي إذ أراك، فإنني

بغيرك لا أُدرك تمام وجودي

وصولا إلى أدونيس وكمال خيربك في مرحلة الحداثة:

فكمال خيربك في شعره الحداثي، يطرح الآخر كمساحة للحرية وكسر القيود، حيث يربط بين الآخر والبحث عن المعنى في عالم متشظٍ:

أبحث عنك في وجوه الغياب

 لأصنع من اختلافك يقين حضوري

هنا الآخر ليس مجرد اختلاف، بل ضرورة لتجاوز الانغلاق وبناء هوية منفتحة.

أما أدونيس مهيار الوجه الذي خانه عاشقوه فيقول في مفرد بصيغة الجمع

أنا الواحدُ المتعددُ

أنا الذي يرى في الغريبِ بيتَه

وفي البيتِ غربتَه


هو والآخر وجوها متعددة للحقيقة المطلقة فيدعو إلى إعادة بناء العلاقة معه عبر الحرية والإبداع. الآخر عند أدونيس ليس تهديدًا بل فرصة لتجديد الفكر والهوية.


تتلخص الأمثلة التي نطق بها علويون، أن الطريق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وكما قال لي فضيلة الشيخ محمد حيدر: "إذا تعرضت طفلة لحادث أمامك ألا تسعفها؟ - نعم؛ أتسأل عن انتمائها الديني قبل إسعافها؟ - لا، فشرح الشيخ قائلا هذه هي الفطرة التي فطرنا الله عليها أن نقبل الآخر بصورته الإنسانية كما هو، ونتقبل إختلافنا معه كمسلمات وجودية نرتقي بتقبلها.


هذا النهج لا يختلف عن النهج الإسلامي السني عامة، ولا حتى النهج الشيعي المتحرر من ولاية الفقيه، ففي الخليج لاسيما الامارات وقطر والمملكة العربية السعودية، يمكنك أن تجد مواطنًا يعايد صديقه الهندوسي بعيد النور (Diwali) ويمكنك في الشارقة وفي بُر دبي سماع الأذان الشيعي بكل وضوح ودون قيود، وتشاهد احتفالات عيد الميلاد، هذا النهج السني الذي كان على امتداد ألف وأربعمائة عام حاضنًا للحضارة وللتنوع الفكري لا يختلف عن المنهاج العلوي في تقبل الآخر.


هذا المنهاج لا يشكل نسقًا سياسيًا على صورة ومثال الإسلام السياسي، أو لنقل الدين السياسي، فالاختلاف بين نهج المسلمين عامة، والذي يعبر عنه العلويون، وجماعة المكتب السياسي لا يقف عند مسائل سياسية آنية ولا يمتد التحالف بين بعض العلويين والحج ليشمل العلويين جميعًا، فإن حَكَم علوي دولة كسوريا فإن ذلك لا يعني أن العلويين حكموها، وإن اختار مثلا عثمان باشا اللبيب أن يقود قوات صافيتا ليساند السلطنة العثمانية في مواجهة إبراهيم باشا وتقلّد في إثرها ولاية طرابلس، فإن ذلك لا يعني أن طرابلس كانت علوية ولا أن العلويين تمكنوا من شبك علاقات دولية في مرحلة التمهيد لشرق أوسط ما بعد السلطنة، والدليل أن العلويين بقيادة الشيخ صالح العلي (قد) تحالفوا مع إبراهيم هنانو المدعوم تركيًا في مواجهة الفرنسيين وأعادوا بذلك المسار الاستراتيجي المرتبط بالجغرافيا وحسن الجوار الذي سلكه عثمان باشا اللبيب. غير أن هذه التجارب كانت مدمرة على العلويين فباؤوا بالتقتيل والتنكيل والاضطهاد، وبعد أن كان خيارهم بين التهميش أو الموت في زمن البعث أصبح خيارهم الذلة أو السلة في زمن ما بعد البعث، فانتهجوا المقاومة السلمية بنفوس أبية وأنوف حمية وصدور عارية.


لكن الخطأ الذي اقترفوه في القرن التاسع عشر، وأعادوه في القرن العشرين يكررونه اليوم، فهم لم ينسجوا علاقات دولية مع القوى الدولية الفاعلة وارتضوا أن يكونوا مواطنين في دول كل متحداتها وأطيافها الدينية تنسج علاقات مع القوى الدولية وتنال حمايتها ودعمها، وبذلك حجزت لها مكانا على الطاولة باستثناء العلويين، محكومين بلعنة المواطنة والاثم الكنعاني، لم يجدوا كرسيًا على طاولة من لا يجلس عليها يكون حكمًا على قائمة الطعام.


ولتجد كرسيًا على الطاولة يجب أن تكون موجودًا، وهذه الإشكالية الكبرى في الفكر العلوي فالعلوي لا زعامة له، ولا يؤمن بالعمل الطائفي السياسي، وحتى اللحظة ورغم التقتيل والسبي والتنكيل بناء على الهوية الطائفية ما تزال تجد شريحة وازنة تبحث عن المواطنة الجامعة في زمن أصبحت فيه الأكثرية والأقلية السياسية تُحسب على أساس طائفي، وتُقسَّم الحقوق على أساس طائفي، وتنال حقك بالحياة على أساس طائفي. لتكوُّن الأنا العلوية الجامعة تحتاج لنظام مجلسي يشبه نظام المقدمين الذي أرساه أسلافنا، نظام يكون فيه متولي المسؤولية مُقَدَّم بين متساويين، نظام تَرجمتُه في اقتراح القانون الذي قدمته وحاربه الكراكيب لأنه يقطع دابر نفوذ الحج غير الطبيعي على الطائفة، فالحج ولي نعمة الكراكيب وصاحب رايتهم الذي "جددوا له العهد"، لا يعترف بالآخر ولا يقيم له وزنا وشأنه في ذلك شأن فوكوياما وباراك أوباما، وخاصة ما إذا كان الآخر علوي، فهنا البكاء وصرير الأسنان، وكيف وهو الذي يرفض حماية بيئته عبر شرعنة السلاح؟ هذا النسق الفكري الذي لا يعترف بالآخر ويقسم الدنيا دارين دار حرب ودار إسلام، لا يؤسس عليه إلا التعصب للفكرة ونبذ التلاقي والحوارـ هذا النهج التعصبي ترجمه الكراكيب في جبل محسن، فهم بهذا النهج يضمنون استمرار شدَّ العصب المؤسس على الخوف من الآخر بدل من التلاقي معه. وفي هذا يتبعون نهج الإسلام السياسي فهم الذين حذر أمير المؤمنين أتباعهم منهم في خطبته القاصعة إذ قال:  أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ وَجَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَمُغَالَبَةً لِآلَائِهِ فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ وَسُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً وَلَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً وَلَا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ وَهُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ وَأَحْلَاسُ الْعُقُوقِ اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَدُخُولًا فِي عُيُونِكُمْ وَنَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ وَمَأْخَذَ يَدِهِ.