العيش على حافة الإنذار
لا يعيش كثيرون حياتهم اليوم، بل يعيشون ما قد يحدث غدًا. الهاتف مشحون دائمًا، الأخبار مفتوحة، النوم خفيف كأنّه مناوبة غير معلنة. لا حرب قائمة بالكامل، ولا سلم مكتمل، لكن حالة الطوارئ تسلّلت إلى التفاصيل الصغيرة: طريقة النوم، نبرة الصوت، وحتى خطط الغد التي تُصاغ بصيغة "إذا". هكذا يصبح الإنسان حاضرًا جسديًا، وغائبًا نفسيًا، معلّقًا بين لحظة وأخرى.
القلق الذي لا يحتاج سببًا
في وضعية الاستعداد الدائم، لا يحتاج القلق إلى حدث كبير ليشتعل. رسالة متأخرة، صوت مرتفع، خبر عاجل عابر… كلها كافية لتحريك جسد تعوّد أن يكون في حالة تأهّب. هذا القلق لا يُصرّح عن نفسه، بل يتخفّى: صداع متكرّر، عصبية زائدة، أو تعب لا يزول بالنوم. الإنسان هنا لا يخاف من شيء محدّد، بل من احتمالات مفتوحة بلا نهاية.
تأجيل الحياة باسم الحكمة
"ليس الوقت مناسبًا" جملة تتكرّر كثيرًا في مجتمعات تعيش على إيقاع الطوارئ. تأجيل السفر، تأجيل الزواج، تأجيل مشروع شخصي، وحتى تأجيل الفرح. المنطق يبدو عقلانيًا: الاحتياط واجب. لكن مع الوقت، يتحوّل الاحتياط إلى نمط حياة، ويصبح التأجيل عادة لا تُراجع. الحياة لا تُلغى فجأة، بل تُؤجَّل إلى أجل غير مسمّى.
الجسد يدفع الفاتورة
العيش المستمر في وضعية الاستعداد ليس مجرّد حالة نفسية، بل عبء جسدي حقيقي. الجسد مبرمج بيولوجيًا على الاستنفار المؤقّت، لا الدائم. حين تطول الطوارئ، يختلّ الإيقاع الداخلي: نوم متقطّع، توتّر عضلي، ضعف مناعة. كأنّ الجسد يقول ما لا يقوله اللسان: لا يمكن العيش طويلًا وكأنّ الخطر على الباب.
المجتمع الذي يُطبّع اللاطبيعي
الأخطر أن تتحوّل هذه الحالة إلى أمر "طبيعي". حين يصبح القلق مادة يومية، والخوف نكتة سوداء، والضغط جزءًا من الهوية. عندها لا يعود السؤال: لماذا نعيش هكذا؟ بل: كيف لا نعيش هكذا؟ المجتمع نفسه يطلب من أفراده الصمود الدائم، من دون أن يوفّر شروط الأمان، وكأنّ التكيّف حلّ بحد ذاته.
استعادة اللحظة كفعل مقاومة
الخروج من وضعية الاستعداد الدائم لا يعني إنكار الواقع أو الاستهانة بالمخاطر، بل استعادة الحق في الحاضر. أن ينام الإنسان نومًا كاملًا، أن يخطّط لشيء جميل رغم كل شيء، أن يسمح لنفسه بالفرح من دون شعور بالذنب. في عالم يُجيد إنتاج الطوارئ، تصبح الحياة العادية فعل مقاومة صامتة.
هكذا، ربما لا نستطيع إنهاء حالات الطوارئ الكبرى، لكن يمكننا على الأقل أن نمنعها من سرقة أعمارنا قطعة قطعة.