ليس أدل على واقع أزمة الكلاب الشاردة في طرابلس مما رواه أحد أبناء منطقة القبة في منشور على مواقع التواصل، حين تحدّث عن تجربة مرعبة عاشها في ساعات الفجر الأولى. فبينما كان يتّجه فجرًا إلى الصلاة في المسجد كعادته، فوجئ بمجموعة من الكلاب الشاردة تعترض طريقه وتهاجمه، ما أثار لديه حالة من الذعر والارتباك، ولولا أن تمكّن من تغيير مساره قبل الوصول إلى وجهته لكانت قد تمكّنت منه.
قد يكون ذلك مشهدًا بسيطًا في تفاصيله، لكنه يعكس حجم القلق الذي يعيشه السكان مع تفاقم هذه الظاهرة. ولم تعد هذه الحالات استثناء أو حوادث فردية، إذ بات سكان طرابلس والميناء يتعاملون يوميًا مع مشهد متكرر للكلاب الشاردة التي تنتشر بين الشوارع والأزقة وصولا إلى الطرقات الرئيسية، فيما تمتد الظاهرة أيضًا إلى مناطق في عكار، حيث يشكو الأهالي من انتشار مشابه في عدد من البلدات والقرى.
ويؤكد الأهالي أن الظاهرة لم تعد محصورة في الأزقّة أو الأطراف، بل باتت واضحة في شوارع رئيسية، مثل منطقة عزمي وتفرعاتها، حيث يمكن ملاحظة انتشار الكلاب بشكل لافت، ما يزيد من صعوبة الحركة اليومية ويجعلها أكثر حذرًا. ويتحدث السكان عن مشاهد متكررة لتجمّع الكلاب قرب حاويات النفايات، أو تنقّلها بين الأحياء وأمام مداخل المحال، لا سيما بعد إقفالها عصرًا، ما يثير الخوف لدى المارة، خصوصًا الأطفال وكبار السن، في وقت باتت فيه بعض المناطق تُتجنّب خلال التنقل اليومي خشية أي مواجهة مفاجئة.
ولا يقتصر الأمر على أوقات محددة من النهار، إذ يؤكد الأهالي أن الكلاب الشاردة موجودة على مدار اليوم، ليلا ونهارًا، ما يجعل حضورها ثابتًا في المشهد اليومي للأحياء السكنية والمناطق الحيوية.
ووفق الأهالي وزوار المدينة، فإن أصوات النباح، خصوصًا في ساعات المساء وأحيانًا عند الفجر، باتت مصدر إزعاج متكرر يقطع هدوء الأحياء ويؤثّر في راحة الأهالي ونمط حياتهم.
ولا تقف المشكلة عند حدود الإزعاج أو الخوف، إذ يشير مواطنون إلى تسجيل حالات أذى في أكثر من منطقة، ما زاد من حدّة المطالبات بوضع حد سريع وفعّال لهذه الظاهرة المتفاقمة.
وفي الخلفية، يبقى عامل النفايات حاضرًا بقوة، إذ تشكّل مستوعبات القمامة مصدر غذاء مباشر لهذه الكلاب، ما يساهم في استمرار انتشارها وتكاثرها داخل الأحياء، في ظل غياب معالجة جذرية للأسباب الأساسية للمشكلة.
لكنّ المفارقة أن هذا الملف ليس جديدًا. ففي طرابلس والميناء، سمع الأهالي مرارًا عن وعود بلدية بمعالجة الظاهرة وإنهائها، إلا أن النتائج بقيت محدودة، فيما بقيت الإجراءات في إطار التصريحات، من دون تنفيذ فعلي على الأرض.
وينطبق الأمر أيضًا على قرارات سابقة صدرت عن محافظ الشمال السابق رمزي نهرا لمعالجة ملف الكلاب الشاردة، لكنها، بحسب متابعين، بقيت حبرًا على ورق، من دون أن تتحول إلى خطة تنفيذية واضحة تغيّر الواقع القائم.
كما أن معظم رؤساء بلديات طرابلس، على مرّ السنوات الماضية، تحدثوا عن حلول ومبادرات مختلفة، إلا أن هذه الطروحات بقيت في إطار الأفكار والتصريحات، من دون أن تنجح في إنهاء المشكلة بشكل جذري.
كذلك، سبق أن تحدث عدد من نواب المدينة ومرجعياتها عن مبادرات لمعالجة الظاهرة، غير أن معظم هذه الطروحات بقيت في دائرة الكلام السياسي، من دون خطوات عملية قادرة على إحداث تغيير فعلي في الشارع.
اليوم، يجد السكان أنفسهم أمام مشهد يومي يتكرر: كلاب تنتشر في الشوارع الرئيسية والفرعية، بما فيها عزمي وتفرعاته، وقلق دائم، وإزعاج متواصل، وغياب حلّ شامل. وبين مطالب الأهالي ومبادرات لم تكتمل، وبين من يدعو إلى التعاون مع الجمعيات التي تُعنى بهذه الحيوانات، يبقى السؤال مفتوحًا في طرابلس والميناء: من يضع حدًّا لشارع لم يعد هادئًا كما كان؟