شدد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أنه ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام مصممون على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لافتًا إلى أن على مجلس النواب أن يلعب دوره في هذا الإطار. وجدد التأكيد على أن قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية اتُخذ "ونحن سنكمل في الأمر"، مشيرًا إلى أن التطبيق سيتم وفقًا للظروف. وكشف أن اتصالات لبنان الدبلوماسية لم تتوقف لإبعاد شبح الحرب عنه.
كلام الرئيس عون جاء قبل مشاركته والسيدة اللبنانية الأولى، السيدة نعمت عون، في قداس عيد الميلاد في بكركي، الذي ترأسه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لمناسبة عيد الميلاد، واعتبر في عظته أن لبنان بتنوعه وغناه الإنساني، "مدعوّ اليوم أكثر من أي وقت مضى ليكون وطن العيش معًا، لا العيش ضد بعضنا البعض، وطن الشراكة لا الإقصاء، وطن الرجاء لا الإحباط".
وحضر القداس الوزراء: ميشال منسى، وجوعيسى الخوري، وأحمد الحجار، وشارل الحاج، وبول مرقص، ومهى بيرقداريان، وتمارا الزين، والنواب: إبراهيم كنعان، وندى البستاني، وسيمون أبي رميا، وشوقي دكاش، وسليم الصايغ، وزياد حواط، ووزراء ونواب سابقون وسفراء حاليون وسابقون، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، ومدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير، ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، ومدير المخابرات العميد طوني قهوجي، وقائد الدرك العميد جان عواد.
كما حضر رئيس التفتيش المركزي جورج عطية، ومدير عام رئاسة الجمهورية الدكتور أنطوان شقير، ورئيس الرابطة المارونية مارون حلو، ونقيب المحررين جوزف القصيفي، وعدد من مستشاري رئيس الجمهورية، ونجله خليل وزوجته، وقضاة، وفعاليات اقتصادية واجتماعية ونقابية، وعدد من القادة الأمنيين، وحشد من المؤمنين.
وكان الرئيس عون وصل إلى الصرح البطريركي قرابة الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والعشرين من صباح اليوم، حيث كان في استقباله عند مدخل الصرح المطرانان حنا علوان وأنطوان عوكر. وتوجه على الفور إلى الصالون حيث كان في استقباله عند المدخل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. وبعد التقاط الصور التذكارية، انتقل الرئيس عون والبطريرك الراعي إلى مكتب البطريرك حيث عقدا خلوة استمرت حوالى نصف ساعة، عرضا خلالها التطورات المحلية، قبل أن تنضم إليهما اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون التي كانت وصلت إلى بكركي عند الساعة التاسعة والخامسة والأربعين دقيقة.
تصريح الرئيس عون
وبعد الخلوة، غادر الرئيس عون مكتب البطريرك الراعي وتوجه إلى الصحافيين الذين تواجدوا في الصرح معًا، معايدًا إياهم بعيد الميلاد المجيد، وقال: "زيارتي اليوم إلى بكركي هي طبيعية وتقليدية لنقدم التهاني بمناسبة عيد الميلاد إلى غبطة البطريرك. ومن خلالكم، أريد أن أعايد جميع اللبنانيين. وأقول لهم: إن شاء الله نشهد السنة المقبلة ولادة لبنان الجديد، لبنان دولة المؤسسات، لا دولة الأحزاب، ولا الطوائف، ولا المذاهب، لبنان دولة الشفافية والمحاسبة. من المؤكد في هذا العيد، هناك جرح نازف في الجنوب ولم يعد أهلنا إليه بعد، فيما لا يزال أسرانا في السجون الإسرائيلية، ولا تزال هناك اعتداءات، آخرها اليوم في الجنوب والبقاع. إن شاء الله نشهد ولادة لبنان الجديد وننتهي من الحروب ونعيش السلام".
سئل عن قصده من القول "لبنان خالٍ من الأحزاب" في حين أن الديمقراطية تقوم على الأحزاب، أجاب: "اذكروني متى قلت لبنان خالٍ من الأحزاب، فأنا أقول دولة المؤسسات لا دولة الأحزاب، وهناك فارق بين الاثنين، لم أقل مرة لبنان خالٍ من الأحزاب، فبصلب الديمقراطية هناك الأحزاب".
ردًا على سؤال حول عمل الدبلوماسية اللبنانية بالتوازي مع عمل لجنة الميكانيزم، أكد الرئيس عون أن اتصالات لبنان مع الدول المؤثرة لم تتوقف، خاصة مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والدول العربية.
سئل عن الانتخابات النيابية وإذا ما كانت ستُجرى في موعدها في ظل ما يحصل من عرقلة لإقرار القانون الانتخابي، فأجاب: "أكرر القول إنّي والرئيس نبيه بري والرئيس نواف سلام مصممون على إجراء الانتخابات في موعدها. مجلس النواب، وانطلاقًا من مبدأ احترام فصل السلطات، لديه دور يجب أن يلعبه. فليذهبوا إلى مجلس النواب وليناقشوا أي قانون يريدون. واجباتنا تأمين سلامة الانتخابات وشفافيتها، أما وفق أي قانون فيقرره مجلس النواب. ولكننا مصممون على إجرائها في موعدها. فالانتخابات استحقاق دستوري يجب أن تُجرى في وقتها".
سئل عمّا إذا كان راضيًا عما حققه حتى اليوم في موضوعي الإصلاح والسلاح، فأجاب: "إذا أردنا قياس الأمور مقارنة مع السنوات السابقة، أكيد. ليس هذا هدفنا فحسب، بل هدفنا أعمق من ذلك، لكننا وضعنا الأمور على السكة الصحيحة. وإذا نظرتم إلى ما حققته الحكومة خلال عشرة أشهر من إنجازات، فلقد أحصينا بالأمس توقيع 2000 مرسوم، هناك مراسيم تقع على عاتقنا وأخرى تقع على عاتق مجلس النواب، أليس كل ذلك إنجازات؟ انظروا إلى الأرقام الاقتصادية، وإلى فترة العيد، وإلى فصل الصيف الماضي، بالطبع ليس ذلك هدفنا الأساسي، لكن إن شاء الله تذهب الأمور إلى تحسن، وأنا متفائل بذلك، لكن لا تتوقعوا أن يتم الأمر خلال سنة".
وعن موضوع حصرية السلاح، قال: "نحن سنكمل في ذلك، وسأعود وأكرر أن القرار اتُخذ وسنكمل في الأمر"، مشيرًا إلى أن التطبيق وفقًا للظروف.
وعن عمل لجنة الميكانيزم والحديث الإسرائيلي عن تجدد الحرب بعد رأس السنة، أجاب: "إن اتصالاتنا الدبلوماسية لم تتوقف لإبعاد شبح الحرب. وأستطيع أن أقول لكم إن شبح الحرب بعيد. وبطبيعة الحال، في التفاوض، كل واحد يريد رفع سقفه، لكنني متفائل وإن شاء الله الأمور ذاهبة إلى خواتيم إيجابية".
ثم انتقل رئيس الجمهورية واللبنانية الأولى إلى كنيسة الصرح، حيث حضرا قداس الميلاد الذي ترأسه البطريرك الراعي وعاونه فيه نوابه العامون، المطارنة علوان وعوكر والياس نصار، وخدمته جوقة فيلوكاريا بقيادة الأخت مارانا سعد.
عظة البطريرك الراعي
وبعد الإنجيل، ألقى البطريرك الراعي عظة جاء فيها:
فخامة الرئيس،
يشرّفني أن أرحّب بكم، وبعقيلتكم السيدة اللبنانية الأولى، للاحتفال معًا، ومع هذا الجمهور من أصحاب المعالي والسعادة وسائر المقامات والمؤمنين بعيد ميلاد كلمة الله التي صارت بشرًا، يسوع المسيح فادي الإنسان ومخلّص العالم.
بحضوركم، فخامة الرئيس، يكتمل العيد، لأنه يكتمل حين يلتقي الإيمان بالمسؤولية، والرجاء بالالتزام، والكنيسة بالوطن. نعايدكم من القلب، ونتمنّى لكم عيدًا مليئًا بالحكمة والسلام، وأن يكون هذا الميلاد خير وبركة لمسيرتكم في خدمة لبنان، لينعم بالاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
كما نعايد جميع الحاضرين معنا، ونوجّه معايدة محبّة لكل من يتابعنا ويشاركنا هذا الاحتفال عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، من قربٍ أو من بعد، سائلين الرب أن يفيض على الجميع نعمة الميلاد وفرحه وسلامه، فتسود المحبة ورغد العيش معًا.
عندما صدر أمر من الإمبراطور الروماني أغسطوس قيصر بإحصاء سكان المسكونة كلها، ولدت العذراء مريم ابنها الإلهي يسوع المسيح، وسُجّل في سجل البشر على خانة يوسف ومريم. لم يأتِ المسيح كفكرة سماوية عابرة، بل كإنسان حقيقي له أم وأب شرعي واسم، وله مكان. هذا هو عمق التجسد: الإله صار واحدًا منا ليخلّصنا من الداخل.
ليتورجيًا، لا تحتفل الكنيسة اليوم بذكرى ماضية، بل بسرّ حاضر ومتجدّد. «اليوم وُلد لكم مخلّص». هذا الـ«اليوم» هو زمن الله المفتوح، الذي يدخل فيه إلى حياتنا باستمرار. الليتورجيا تجعلنا شهودًا على الميلاد، لا متفرّجين عليه، وتدعونا أن نكون رعاة هذا الزمن، نسهر ونصغي وننطلق.
الرعاة كانوا أول من سمع الخبر، لأنهم كانوا في حالة السهر، في الإصغاء، في الاستعداد. هكذا تدعونا الكنيسة اليوم أن نستقبل يسوع بقلوب يقظة، لا مغلقة، وبحياة منفتحة على حضوره. في الميلاد نحتفل بميلاد راعينا، الذي جاء ليحملنا على كتفيه، لا ليديننا بل ليخلّصنا.
الليتورجيا تعلّمنا أن الله يولد حيث يوجد تواضع، وحيث تُفتح المغارة الداخلية. فميلاد المسيح ليس حدثًا خارجيًا فقط، بل دعوة لأن يولد في حياتنا، في عائلاتنا، وفي قلب عالم متعب ينتظر خلاصه.
من بشرى الميلاد، نتوجّه اليوم إلى واقع وطننا لبنان. «وُلد لكم مخلّص» هذه ليست عبارة روحية فقط، بل نداء حياة لشعب تعب من الأزمات، وينتظر فجرًا جديدًا. بميلاد يسوع نطمئن، بميلاده نرتفع فوق الخوف، وبميلاده نؤمن أن الظلمة ليست قدرًا.
ميلاد يسوع هو يوم السلام، لأن الطفل المولود هو «أمير السلام». هو يوم المحبّة، لأن الله اختار أن يحبّ حتى النهاية. هو يوم المصالحة، لأن السماء تصالحت مع الأرض. وهو يوم البداية، لأن الله لا يغلق باب الرجاء أبدًا.
عيد الميلاد هو يوم البداية الجديدة. يوم نقول فيه: كفى حروبًا، كفى انقسامات، كفى خوفًا على المستقبل. هو يوم نرفع فيه رؤوسنا ونقول: نعم، يمكن للبنان أن يقوم، يمكنه أن يشفى، ويمكنه أن يكون وطن السلام.
في هذا العيد، وبحضور فخامة رئيس الجمهورية، نرفع صلاة صادقة من أجل لبنان: أن يكون هذا الميلاد بداية مرحلة جديدة، مرحلة تُرمّم فيها الثقة، وتُستعاد فيها هيبة الدولة، وتُصان فيها المؤسسات، ويُعاد فيها الاعتبار للدستور، وللقانون، وللقيم التي قام عليها هذا الوطن. فلبنان لا يُبنى بالكلمات وحدها، بل بالأفعال الشجاعة، وبالقرارات الحكيمة، وبالإرادة الصادقة في خدمة الخير العام.
ميلاد يسوع يذكّرنا بأن القوة الحقيقية ليست في الصراع، بل في المصالحة؛ ليست في الغلبة، بل في اللقاء؛ ليست في الانقسام، بل في الوحدة. هذا الوطن، بتنوّعه وغناه الإنساني، مدعوّ اليوم أكثر من أي وقت مضى ليكون وطن العيش معًا، لا العيش ضدّ بعضنا البعض، وطن الشراكة لا الإقصاء، وطن الرجاء لا الإحباط.
فليكن عيد الميلاد هذا العام عيد التزام وطني جديد، عيد سلام يُزرع في القلوب قبل أن يُعلن في الخطابات، عيد محبّة تتحوّل إلى أفعال، وعيد رجاء يُترجم ببناء الإنسان وحماية الوطن. وبميلاد المسيح، نصلّي أن يولد لبنان من جديد، أكثر عدالة، أكثر وحدة، وأكثر وفاء لرسالته في هذا الشرق والعالم، فنرفع المجد والشكر للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.
وفي ختام القداس، انتقل الرئيس عون والبطريرك الراعي والمطارنة إلى الصالون الكبير لتقبل التهاني، قبل أن يغادر الرئيس عون الصرح عائدًا إلى قصر بعبدا.