بعدما أحدثت المخرجة تامارا جنكينز ضجة كبرى بفيلمها The Savages (المتوحشون) في مهرجان "صندانس" السينمائي منذ عشر سنوات تقريباً قبل أن تترشح بفضله لجوائز الأوسكار، صدر فيلمها الجديد Private Life (حياة خاصة) الذي يعرض قصة حساسة عن زوجَين يمرّان بتقلبات عاطفية كبرى فيما يحاولان إنجاب طفل. على غرار The Savages، يتميز هذا العمل بأداء الممثلين المقنع، إذ من الواضح أن بطلَي القصة يستغلان هذه الفرصة لتجسيد شخصيات واقعية ومؤثرة. تبرز شخصيات ثانوية على هامش القصة الأساسية الممتدة على 127 دقيقة لكنها ذات طابع فكاهي قد يمنع بعض المشاهدين من الانغماس في القصة الأصلية. في مطلق الأحوال، ينجح بول جياماتي وكاثرين هان بأدوار البطولة في الحفاظ على تماسك الفيلم.
في التفصيل، يعيش الزوجان "ريتشارد" و"رايتشل" في نيويورك وهما يحاولان الإنجاب عبر علاجات الخصوبة أو التبني منذ سنوات. تحتدم الخلافات بينهما في مراحل معينة، فيتجادلان حول السبب الذي جعلهما ينتظران هذه المدة كلها لمحاولة الإنجاب، مع أن السبب لا أهمية له في هذه الأحداث. الأهم هو أنهما يواجهان مصاعب كبرى في الوقت الراهن. في أول مشاهد الفيلم، تتضح المشقات التي تحملها هذه التجربة، جسدياً وعاطفياً. في أحد المشاهد، يتلقى الزوجان مكالمة هاتفية من أبوين شابَين يبحثان عن ثنائي لتبني طفلهما. تعيش "رايتشل" تقلبات هرمونية فائقة بسبب الحِقَن التي تضطر لتلقيها وسرعان ما تصبح علاقتها الزوجية محصورة بمساعي الإنجاب لدرجة أن يخسر الزوجان في مرحلة معينة أي رابط عاطفي أو جسدي بينهما. ثم تبرز مشكلة أخرى بسبب التكاليف الباهظة للعلاج، فهي مرتفعة بما يكفي لإفلاس معظم العائلات. تستكشف المخرجة جنكينز ببراعة الأوجاع الشخصية ويحمل هذا الجانب من القصة أهمية كبرى ومؤثرة. يختبر الأزواج هذه المشاعر طوال الوقت في ظروف مماثلة لكن لا يعرف معظم الناس حقيقة ما يمرون به، حتى أن الأفلام عموماً لا تتناول هذا الموضوع بما يكفي.

سرعان ما يتخذ فيلم Private Life منحىً مختلفاً ومفتعلاً بعض الشيء حين تأتي قريبة الزوجَين، "سادي" (كايلي كارتر)، للإقامة معهما بعدما يقترح عليهما الطبيب إيجاد متبرعة بالبويضات. لطالما كان "ريتشارد" و"رايتشل" بمثابة والدَين بديلَين لـ"سادي"، وسرعان ما يدركان أن قريبتهما البالغة من العمر 25 سنة هي المرشحة المثالية لحل مشكلتهما. يعارض والدا "سادي" (مولي شانون وجون كارول لينش) قرارها لكنها تتخذ هذه الخطوة في نهاية المطاف، وكأن هذه التجربة أعطتها أخيراً الهدف الذي كانت تبحث عنه في الحياة.
يشمل الفيلم مواقف عاطفية بالغة القوة، لكنّ لحظاته الجميلة والبسيطة هي أكثر ما يميّزه. تزيد قيمة تحليل الشخصيات في هذا الفيلم من خلال التفاصيل الصغيرة في حياة "رايتشل" و"ريتشارد": يبدو أن المسؤولين عن تصميم الإنتاج فكروا بأصغر تفصيل يمكن إيجاده في شقة يقيم فيها مخرج مسرحي وزوجته الكاتبة في مدينة نيويورك. ما عدنا نشاهد هذا النوع الفرعي من أفلام السينما في أعمال كثيرة اليوم، إذ تكثر المشاريع الدرامية التي توحي بأنها تريد توجيه رسائل بالغة الأهمية عن الوضع الإنساني كله. هذا الفيلم هو عبارة عن دراسة شخصيات بناءً على قصة "رايتشل" و"ريتشارد" و"سادي"، وهو يقدّم أفضل ما لديه حين يسمح لهذه الشخصيات الثلاث بالتنفس والعيش وإطلاق العنان لمشاعرها.
لكن تكمن المشكلة في عدم حفاظ العمل على هذا المستوى طوال الوقت. فهو يتخذ في بعض المقاطع منحىً فكاهياً مفرطاً، لا سيما عند إظهار علاقة "سادي" مع والدتها ومع أحد زملائها في العمل (ديزمين بورجيس من مسلسل You’re the Worst "أنت الأسوأ"). هذه المقاطع تسيء إلى الفيلم أكثر مما كانت لتفعل في عمل أقل جدّية لأنها تتعارض بشدة مع جوهر القصة الواقعية. إنه عامل مخيّب للآمال، إذ يسهل رصد المشاهد غير المقنعة التي تستحق الحذف بعد إنهاء مشاهدة الفيلم.
رغم هذه الشوائب، لا يتخلى الفيلم عن الجوانب التي تعطيه قيمة كبيرة، لا سيما الأداء التمثيلي الممتاز من بول جياماتي وكاثرين هان. أدرك هذان الممثلان على الأرجح أن هوليوود أو حتى قطاع الأفلام المستقلة لا يقدمان للممثلين شخصيات متكاملة من هذا النوع في معظم الأوقات. على أمل ألا يطول غياب المخرجة تامارا جنكينز لعشر سنوات أخرى قبل أن تقدم لنا مجدداً عملاً بهذه الجودة.