ماري منصف

"The Enchanted Storyteller of Christmas"

عرض مسرحي غنائي ميلادي ساحر لِلارا راين

8 دقائق للقراءة

انطلق أمس على "مسرح كازينو لبنان" العرض المسرحيّ الغنائيّ "The Enchanted Storyteller of Christmas"، مع الفنانة لارا راين ومن إنتاج "JPAL Productions". أجواء ميلاديّة ساحرة وحضور لافت شهدهما أول العروض التي تمتدّ حتى 30 كانون الأول الجاري. العمل من تأليف وتلحين لارا راين وإخراج شادي زين، يقدّم تجربة مسرحية متكاملة تمزج بين الموسيقى الحيّة، والسرد القصصيّ، والعناصر البصرية الغنية، في عرض موجّه إلى العائلة بكل أفرادها، يعيد إحياء روح الميلاد من خلال حكايات وشخصيات تنبض بالخيال والفرح. رحلة مسرحية دافئة تحتفي بالقيم الإنسانية والميلادية، شهدت تفاعلًا واضحًا من الجمهور، ضمن إنتاج ضخم شارك فيه فريق فني متكامل، عكس مستوى عاليًا من الاحتراف في الأداء والإخراج والسينوغرافيا.

من المنتظر أن يستقطب عرض "The Enchanted Storyteller of Christmas"، العائلات خلال الأيام المقبلة كواحد من أبرز العروض الميلادية لهذا الموسم الذي يجمع بين الترفيه والفن والرسالة الإنسانية، في قالب مسرحيّ عصريّ، في وقت لم يعد فيه مسرح الأطفال مجرّد مساحة ترفيهية عابرة أو عروض موسمية بسيطة، بل بات، في تجارب معيّنة، مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، يحمل رسالة إنسانية، ويُنفَذ بضخامة إنتاجية تضاهي العروض العالمية.

في لبنان، حيث التحدّيات الاقتصادية والفنية كبيرة، تبرز محاولات جريئة لإعادة تعريف هذا المسرح، من بينها تجربة الفنانة لارا راين التي اختارت رفع سقف التوقعات، وأن تقدّم، للأطفال والكبار على حدّ سواء، عرضًا موسيقيًا واسع النطاق، من حيث الرؤية والتنفيذ والمضمون.

تحمل لارا راين اسمًا فنيًا لطالما أثار فضول الجمهور، خصوصًا الأطفال. تؤكد راين في هذا الإطار لـ "نداء الوطن" أن الاسم لم يكن خيارًا رمزيًا بقدر ما كان ضرورة فنيّة خلال بداياتها خارج لبنان، وتحديدًا كندا، حيث شعرت بالحاجة إلى اسم يحمل طابعًا عالميًا، ويعبّر عنها من دون أن يقيّدها بهويّة محليّة ضيّقة. وعندما عادت إلى لبنان، شجّعها المنتجون على الحفاظ على الاسم، معتبرين أنه أصبح جزءًا من هويّتها الفنية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الاسم إلى علامة مرتبطة بنوع معيّن من المسرح الموسيقيّ القائم على الخيال، والجودة، والعمل الطويل النفس.


إرث الثمانينات 

تنتمي لارا راين إلى أسرة شكّلت جزءًا من ذاكرة الطفولة في لبنان. فهي ابنة ليليان كرم، التي ما إن ينساب صوتها في الأذن أو تشرق ملامحها بابتسامة، حتى تنفتح أبواب الذاكرة على زمن الطفولة بكلّ ما فيه من براءة وحنين. ليليان كرم، المعروفة باسم (Ton Amie Liliane)، لم تكن مجرّد معدّة ومقدّمة برامج أطفال خلال حقبة زمنيّة تلفزيونيّة، بل أضحت إحدى الشخصيّات التي رافقت وجدان جيلٍ كامل وتركَت أثرًا لا يُمحى في ذاكرته.

كبرت لارا في هذا المناخ، بين المسرح والتلفزيون، مرافقةً والدتها، وشاهدةً على علاقة خاصة تجمعها بالجمهور. إلّا أن مسيرتها لم تكن نسخة مكرّرة عن تجربة والدتها. ففي حين بدأت ليليان من التلفزيون وانتقلت لاحقًا إلى المسرح، اختارت لارا أن تبدأ مباشرةً من الخشبة، وأن تصوغ لغتها الخاصة، من خلال الكتابة والتلحين، والغناء، وبناء العوالم المسرحية.

تقرّ لارا راين بأن الخيال كان ملاذها الشخصيّ منذ الطفولة. القراءة، وكتابة القصص، والغوص في عوالم مثل "The Lord of the Rings" و "The Chronicles of Narnia"، شكّلت أسس هويّتها الفنية. ومع غياب إنتاجات موسيقية ضخمة في لبنان تجمع بين الغناء والتمثيل والاستعراض، قرّرت أن تشكّل بنفسها ما كانت تبحث عنه. في أعمالها، هي لا تكتب القصة فحسب، بل تؤلّف الموسيقى وتشارك في الأداء وتتابع أدق تفاصيل الإنتاج. لكن الأمومة، كما تقول، فرضت توازنًا جديدًا، فبات العمل جماعيًّا أكثر، مع فريق إنتاج متكامل، من دون أن تفقد السيطرة الإبداعية على الجوهر.


عرض ضخم بأيدٍ لبنانية

"The Enchanted Storyteller of Christmas"، يُعدّ التجربة الموسيقيّة الثانية لِلارا راين بعد مسرحيّة "Queen of the Seasons" التي قدّمتها عام 2016 ، لكنه الأضخم بينهما. يشارك فيه نحو 45 شخصًا على المسرح، بين ممثلين ومغنين وراقصين، من مختلف الأعمار. التحضيرات استغرقت سنوات، من كتابة النص إلى تلحين الموسيقى وتوزيعها أوركستراليًا، وصولًا إلى تصميم اللوحات الراقصة والديكور المتحرّك. الموسيقى أُنجزت بالتعاون مع موسيقيّ يعمل في مجال المسرح الموسيقي العالمي، وسُجّلت في كندا، فيما تولّى الإخراج شادي زين، فظهر العمل معتمدًا على الإبهار البصري، والتحريك الفني (Animation)، والحركة الدائمة، بحيث يصبح العرض بأكمله تجربة غامرة تشبه رقصة كبرى متواصلة.


رسالة تتجاوز التسلية

تبدأ القصة في دار أيتام، مكان قاسٍ يعكس واقعًا مألوفًا في عالمنا اليوم. من هناك، تطلق طفلة صغيرة أمنيتها: ليلة ميلادية واحدة جميلة في حياتها. تتحقق الأمنية، وتبدأ الرحلة إلى عالم خياليّ تقوده راوية القصة، حيث تلتقي شخصيات مستوحاة من الأدب العالمي: "Oliver Twist" ،"Pinocchio" ،"Chaperon Rouge" ،"The Little Mermaid"، وسواها، لكن بنهايات مختلفة، أكثر إنسانية، وأكثر قربًا من فكرة الأمل والفرح.

تعمّدت لارا راين أن يُعرض عملها في موسم الأعياد. فهذا الموسم بالنسبة لها يخلق جوًّا خاصًّا؛ يأتي مواطنون وسيّاح من الخارج لزيارة لبنان أو لتمضية عطلة الأعياد، ما يجعله التوقيت المناسب لإطلاق مسرحية بهذا الحجم. "في البداية، فكّرتُ بأن يكون العمل مرتبطًا مباشرةً بعيد الميلاد"، تقول راين، "وأن أقدّم شخصية بابا نويل، لكنني سرعان ما تراجعت عن الفكرة التقليدية. فالجمهور الذي يحضر مسرحيّاتي ليس من الأطفال الصغار فقط؛ فهناك فئة عمرية تفوق العشر سنوات، وهؤلاء لم يعودوا يعتقدون بـ "بابا نويل" بالشكل المعروف. لذلك اخترتُ تقديم شخصية مختلفة غير نمطية، تحمل ملامح جديدة، وإن كانت مستوحاة من "رجل الميلاد". شخصيّة دافئة، محبّبة، ومثيرة للاهتمام، تجعل الناس يحبّونها من دون أن تكون نسخة مستهلكة عن الصورة المعتادة".

دَور "بابا نويل" أدّاه الممثل طوني معلوف الذي أبدع بكلّ ما للكلمة من معنى، على ما تقول لارا راين. "فالمسرحية تُقدَّم باللغة الإنكليزية، وهو يمثل ويغني ضمنها، وأداؤه كان مذهلًا فعلًا. اخترته لأنني أعرفه مسبقًا، وكان قد رشحه لي المخرج شادي زين". تضيف راين: "صحيح أن العرض المسرحيّ باللغة الإنكليزية، لكن حتى من لا يتقنها يمكنه فهمها، لأن ثمّة لوحات تعبيرية واضحة، وتحريكًا، وعناصر بصريّة، تساعد الجمهور على متابعة القصة". وتلفت لارا راين إلى العمل الضخم الذي يجري خلف الكواليس: ديكور متحرّك، موسيقى، وحركة مستمرة. العرض بأكمله أشبه برقصة كبيرة وتجربة غامرة بكل تفاصيلها، حيث تتكامل الموسيقى مع الحركة والأداء.

نسأل لارا راين عن رأي والدتها بما تقدّمه، فتجيب: "رافقتني وشاهدت العمل، وبحكم خبرتها الطويلة في هذا المجال، ولا سيّما في التلفزيون، كانت لها ملاحظات، خصوصًا بالنسبة للتواصل مع الجمهور، والتوجّه أكثر نحو الأطفال. هي تملك حسًّا عاليًا في قراءة ردّات أفعال الناس، وهذا نابع من علاقتها الطويلة والمباشرة مع الجمهور. أحيانًا نختلف في المقاربة؛ فأنا أميل أكثر إلى بناءِ عالمي الخاص على المسرح، بينما هي تحبّ أن يكون هناك تواصل مباشر وكثيف مع الجمهور. لكنها، في المقابل، تعلّمني كيف أكون أقرب إلى المُشاهد من دون أن أفقد هويّتي. الفرق بيننا ربما يعود إلى المسار المهني؛ فهي بدأت في التلفزيون منذ زمن طويل، وكان الأطفال ينتظرونها ويلاحقونها في الشارع، وأنا كبرتُ على رؤية هذا المَشهد. أما أنا، فقد بدأتُ مباشرةً في المسرح، ولم أعش تلك التجربة الجماهيرية نفسها. لذلك، علاقتي بالجمهور تُبنى بطريقة مختلفة، وتدريجيّة وأكثر هدوءًا". وتشير لارا راين إلى أن ما يهمّها اليوم حضور الجمهور لمشاهدة العمل، "لأنه يحمل توقيعي: القصة، الموسيقى، العالم المسرحي. أريدهم أن يحبّوا ما أقدّمه كعمل متكامل، لا لأنهم يعرفون اسمي فقط. وربما هنا يكمن الاختلاف الجميل بيني ووالدتي: طريقتان مختلفتان، كلتاهما صادقة وإيجابية، وكلتاهما نابعة من حب حقيقي للفن والجمهور"، تؤكد لارا.


إنصاف الإنتاج المحليّ

تطرح لارا راين في لقائنا معها إشكالية حسّاسة: لماذا يُقدَّر الإنتاج الأجنبي في لبنان أكثر من المحليّ حتى حين يكون ذا مستوى أقلّ؟ وتستعيد دهشة الكنديّين عندما علموا أن عرضًا بهذا الحجم أُنجز في لبنان. برأيها، المشكلة ليست في القدرة، بل في النظرة. فالمواهب اللبنانية قادرة على تقديم مسرح للأطفال بمستوى عالميّ، إذا أُعطيت الثقة، والدعم، والمساحة.

تجربة لارا راين إذًا، ليست مجرّد عرض موسيقي، بل هي نموذج عن كيف يمكن لمسرح الأطفال أن يتحوّل إلى مشروع ثقافي حقيقي، يخاطب العقل والذاكرة، الخيال والواقع في آن. تجربة تُبرز أن لبنان، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على إنتاج الجمال في عمل موجّه إلى الأسرة بكامل أفرادها. فالطفل الصغير يجد المتعة، والمراهق يتفاعل مع القصة، والكبير يقرأ الرموز الثقافيّة والأدبيّة. أما معدّة العرض فترفض الاستهانة بذائقة الأطفال، مؤكدة أنهم يستحقون أعمالًا عالية الجودة، فكريًا وتقنيًا.