ليس من السهل أن تستعيد الحرب الأهلية اللبنانية مسرحيًا من دون أن تقع في فخ الشعارات أو الخطابة، أو في إعادة إنتاج الانقسام الأهلي نفسه. فقضية الحرب الأهلية هذه باتت مستهلكة، لكثرة ما قُدّمت في السينما، وعلى المسرح، وفي الرواية والرسم. ولم يعد من السهل على من يعيد تقديمها فنيًا اليوم أن يأتي بجديد. لكن جورج خباز وعادل كرم تمكّنا من جعل جمهور مسرحيتهما "خيال صحرا" يضحك طوال ساعتين على واحدة من أكثر مراحل تاريخ لبنان دموية، ثم يخرج من المسرح وهو يحمل غصّة لا تفارقه. هذه المعادلة نجح خباز وكرم في تحقيقها في مسرحيتهما المشتركة، بحيث تحوّلت الكوميديا إلى مشرط يفتح الذاكرة اللبنانية من دون تخدير.
لا تنطلق المسرحية من السياسة بقدر ما تنطلق من الإنسان. "أبو مطوى"، ابن بيروت الغربية، و "أبو الزوز"، ابن الأشرفية، يلتقيان في مكان يكاد يكون الشخصية الثالثة في العمل: "استراحة القناص" على خط التماس. مساحة عبثية تجمع رجلَين كان يُفترض أن يكون كلّ منهما هدفًا للآخر، فإذا بالقهوة والسيجارة تسبقان الرصاصة، ويصبح الحوار أكثر فتكًا من الحرب نفسها.
هناك، يبدأ استعراض الانقسام اللبناني بكل تفاصيله الصغيرة التي صنعت المأساة الكبرى. "الشرقية أنظف وأجمل"، وبيوت "الغربية" مطلية بالنبيذي، و "عنا مار شربل والميرون"... فيردّ الآخر بسخرية لا تقل قسوة. تبدو الجمل مضحكة، لكنها في حقيقتها تكشف كيف نجحت الحرب في صناعة وعي طائفي يبدأ من لون الجدران ورائحة الأحياء، قبل أن يصل إلى السياسة والسلاح.
ويذهب النص أبعد من السخرية حين يحوّل المزايدة الطائفية إلى مهزلة. يتباهى أحدهما برموز طائفته الثقافية والدينية، فيما يردّ الآخر بالسخرية من منطق الاحتكار، وكأن المسرحية تقول إنّ اللبنانيين لم يكتفوا بتقسيم الأرض، بل حاولوا احتكار التاريخ والثقافة والقداسة أيضًا.
لكن خباز وكرم يرفضان اختزال الحرب في المتاريس. فجأة، تتقدّم الذاكرة على الأيديولوجيا. يتذكّر أبو الزوز جيرانه المسلمين، عائلة أبي أحمد، التي اختفت مع اندلاع الحرب، ويتذكّر أبو مطوى جيرانه المسيحيين بالطريقة نفسها. هنا يسقط الخطاب كلّه، ويبقى سؤال واحد: كيف استطاعت السياسة أن تحوّل الجار إلى عدو؟
وفي واحدة من أكثر اللوحات شاعرية، يهرب الرجلان من واقع الحرب إلى الخيال. داخل استراحة القناص، يحلمان بأنهما يقفان على خشبة مسرح في لندن أو برودواي. يرقصان ويغنيان ويعيشان لحظات من الفرح، بينما تعرض الشاشة خلفهما صورًا حقيقية من سنوات الحرب في الثمانينيات: انفجارات ودمار وخوف. هذا التناقض البصري بين الرقص والموت ليس مجرد استعراض مسرحي، بل رسالة قاسية: حتى في قلب الحرب، كان اللبناني يحاول أن يحلم بحياة طبيعية، فيما كانت البلاد تُسحب منه يومًا بعد يوم.
المشهد الأبلغ في العمل ليس حوارًا، بل صورة. شريط بصري يمرّ بمحطات لبنان من الثمانينات حتى عام 2020، تتبدّل فيه الوجوه، وتتغيّر الحكومات، وتتكرر الوعود، بينما يبقى اللبناني أسير الحلقة نفسها. خمسون عامًا تمرّ أمام أعين الجمهور في دقائق، ليكتشف أن الزمن تقدّم، أما البلد فبقي يدور في المكان نفسه.
ثم تأتي الصفعة الدرامية. القناصان اللذان حملا السلاح دفاعًا عن أحلامهما لا يصبحان من القادة ولا بطلَين، بل عنصرَي أمن في مصرف. اختزلت المسرحية بذلك مصير جيل كامل آمن بأنّ الحرب ستصنع وطنًا أفضل، فإذا به ينتهي موظفًا يراقب أبواب المصارف التي ابتلعت أعمار اللبنانيين ومدخراتهم وأحلامهم.
ولا تتوقف القراءة عند الحرب، بل تمتد إلى المجتمع اللبناني نفسه. ابنة أبي الزوز تحبّ شابًا مسلمًا، وابن أبي مطوى مثليّ الجنس، فيما تعجز العائلتان عن تأمين دواء الزوجتَين. هنا يربط النص بين الحرب القديمة والأزمات الجديدة، ليقول إن الانقسام لم يعد قائمًا فقط بين شرق وغرب، بل بين مجتمع عاجز عن التصالح مع اختلافه، ودولة عاجزة حتى عن حماية مرضاها.
والرسالة الأكثر جرأة هي رفض تقسيم الضحايا. فالمسرحية لا تعتبر أنّ المدنيين وحدهم دفعوا الثمن، بل تذهب إلى مكان أكثر إيلامًا، لتقول إنّ المقاتلين أنفسهم كانوا ضحايا أيضًا. كثيرون منهم كانوا أطفالا تشكّل وعيهم داخل بيوت غارقة بالخوف والتحريض، فحملوا البنادق قبل أن يفهموا معنى الحرب. قاتلوا وهم يظنون أنهم يصنعون مستقبلا أفضل، ثم اكتشفوا بعد عقود أنهم كانوا وقودًا لمعارك غيرهم، بينما بقي قادة الأحزاب في مواقعهم، واستمرت الانقسامات التي قاتلوا من أجلها.
أما الضربة المسرحية الأخيرة فهي من أجمل ما كُتب على المسرح اللبناني في السنوات الأخيرة. يكتشف أبو مطوى أنّ أبا الزوز الذي يحادثه في عام 2020 ليس إلا شبحًا لرجل قُتل عام 1986. عندها تنهار كل الكوميديا دفعة واحدة، ويصبح الضحك مجرد وسيلة لتأجيل البكاء.
ويردّد أبو مطوى، الذي يجسّد شخصيته جورج خباز، عبارة تختصر مصير جيل كامل: "يا ريت أنا كمان متلك... متت. على القليلة كنت مت وأنا بعدني مصدّق إنو في شي رح يتغيّر". بهذه الخاتمة، تتحول "خيال صحرا" من عمل كوميدي إلى شهادة ثقافية وسياسية على بلد لم ينجح في إنهاء حربه، بل اكتفى بتغيير شكلها.
إنها مسرحية لا تسأل عمّن ربح الحرب، بل تطرح سؤالا أكثر قسوة: من سرق حياة اللبنانيين باسمها؟ ربّما لهذا السبب، يخرج الجمهور من الصالة وهو يضحك... لكنه يحمل في داخله حدادًا مؤجَّلا على وطن لم ينجح، حتى اليوم، في التصالح مع ذاكرته.
