طوال نصف قرن، والدعاية المبرمجة تحاول أن تدخل في عقول الناس أن "الجبهة اللبنانية"، سعت بعد حرب السنتين إلى التقسيم: هل كان هذا صحيحًا؟
لنستعرض بعض الوقائع
كتب الأب يوسف مونس في "أناشيد الحياة": "كان خيارنا الثابت في الرهبانية اللبنانية المارونية، عندما اندلعت الحرب سنة 1975، أن نشارك شعبنا تحدياته وآلامه والمخاطر التي يعيشها، لم نتدخل في مجريات الأحداث الوطنية والسياسية إلا من هذه الزاوية.
كانت لجنة البحوث في الكسليك تضم أكثر من 84 عالمًا وباحثًا ومفكرًا في جميع الفروع والقطاعات، تخطط لبناء لبنان جديد، وتكوكب حولها العديد من المفكرين والباحثين والمناضلين.
لم يفكر أحد من هؤلاء يومًا، ومعهم رهبان الكسليك بالتقسيم مطلقًا، بل باللامركزية الموسعة وبنوع من الكونفدرالية لتعطي للمناطق دفعًا معنويًا والتوفير على الناس التنقل إلى بيروت لإجراء أي معاملة صغيرة كانت أم كبيرة كما في الدول الراقية، مثل النمسا، سويسرا، ألمانيا، الولايات المتحدة الأميركية وغيرها".
انتهاء محافظة الشمال الثانية
بعد اغتيال محافظ الشمال قاسم العماد في 20 كانون الأول 1975 وإحراق سراي طرابلس حيث مبنى المحافظة، انقسمت محافظة الشمال: راح أمين سرّ المحافظة جورج اسطفان يداوم في قائمقامية البترون ومن مكتب القائمقام يحاول تسيير شؤون الناس، فيما داوم طلال الحسن أحد كبار موظفي المحافظة في مكتب في سنترال طرابلس - الميناء لتسيير شؤون الناس. بدا واضحًا أنه أصبح هناك محافظتان.
قررت "الجبهة اللبنانية" جمع أقضية البترون والكورة وزغرتا وبشري ومنطقة دير الأحمر في محافظة واحدة، وطلبت من جورج اسطفان البدء بإنشاء هيكليتها.
تردد وقتها أن المحافظة الجديدة ستحمل اسم "محافظة قاديشا"، ولم يكن تقرر مقرها هل في مدينة البترون أم في شكا، وبدأت الخطوات العملية:
- تم إنشاء منطقة عسكرية في الشمال في المدينة الكشفية في سمار جبيل – البترون بقيادة العقيد (العماد قائد الجيش) فيكتور خوري، الذي كان يشغل نائب قائد منطقة الشمال العسكرية قبل اغتيال قائد المنطقة العميد عبد المجيد شهاب. وضمت الثكنات والمواقع العسكرية في الشمال التي ما زالت تخضع لسلطة وزارة الدفاع في اليرزة وتجمّع دير الأحمر، وكان "جيش لبنان العربي" سيطر على ثكنات طرابلس وعكار ما عدا ثكنة عندقت.
- إنشاء سرية لقوى الأمن الداخلي في سراي البترون بقيادة المقدم بدر الغزال تضم فصائل: البترون وزغرتا والكورة وبشري ودير الأحمر.
- إنشاء دائرة للأمن العام في سراي البترون مستقلة عن طربلس بإمرة المفتش أنطوان طراف.
- إنشاء منطقة هاتف مستقلة عن طرابلس مركزها سنترال البترون برئاسة عباس الهاشم، تضم السنترالات الهاتفية في مناطق البترون والكورة وبشري وزغرتا ودير الأحمر، وبوشر وصل كل هذه السنترالات من دون المرور بطرابلس، فتم مد كابل ما بين سنترال شكا وسنترال أميون وبوشر بمد كابل يربط سنترال كوسبا بسنترال إهدن، وسنترال بشري بدير الأحمر.
- تم إنشاء دائرة تربوية مستقلة عن طرابلس في سراي البترون برئاسة يوسف أبي صعب رئيس دائرة الامتحانات في وزارة التربية، بدأت بجمع المدرسين الرسميين وتوزيعهم على الثانويات والتكميليات الرسمية الموجودة في الأقضية الأربعة ومنطقة دير الأحمر.
- بدأ تكوين مكاتب مستقلة للمحافظة الجديدة لدوائر: المالية والتنظيم المدني والدوائر العقارية والمساحة والزراعة والصناعة، ولكن ما عرقل إنجاز هذه المكاتب أن جميع المستندات كانت في طرابلس وليس من إمكانية لإخراجها.
كان الهم الضاغط عند بدء العمل، تأمين معاشات الموظفين والمدرسين الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بمراكز أعمالهم الأساسية وإعادة توزيعهم على الأقضية التي عادوا إليها، وتأمين الطحين والمحروقات والمواد الغذائية والطبية النادر وجودها لتوزيعها على الأهالي.
تم تشكيل لجنة برئاسة جورج إسطفان ضمت كبار الموظفين الذين التحقوا بدوائر المحافظة الجديدة وممثلي الأحزاب والقوى السياسية، انبثقت منها لجان في الأقضية برئاسة القائمقام ومعه البعض ممن تطوعوا من: الكهنة ورؤساء الأديرة والبلديات والمخاتير ومدراء المدارس الرسمية، وتشكلت في كل قرية لجنة تضم مبدئيًا الكاهن ورئيس البلدية والمختار ومدير المدرسة الرسمية ورئيس النادي أو الجمعية. وأخذت هذه اللجان على عاتقها تأمين المواد الحياتية للأهالي.
تكفلت اللجنة المالية التابعة لـ "الجبهة اللبنانية" التي كانت تضم: جورج أبو عضل عن الرئيس كميل شمعون والشيخ بطرس الخوري عن الرئيس فرنجية وطانيوس سابا عن الشيخ بيار الجميل بدفع معاشات الموظفين المدنيين وتأمين مبالغ مالية للعقيد فيكتور خوري والمقدم بدر الغزال والمفتش أنطوان طراف لتأمين معاشات العسكريين وحاجيات الثكنات والمخافر والتجمعات العسكرية والمراكز، وكلفة إيصال المواد الحياتية المطلوبة وتوزيعها كما دعمت الرهبنة اللبنانية بسخاء. وكانت أيام صعبة للغاية.
مع انتشار "قوات الردع العربية" كانت رغبة الرئيس الياس سركيس صرف النظر عن استكمال أجهزة هذه المحافظة والعودة إلى الوضع السابق. وانقسمت آراء أعضاء الجبهة:
الرئيس سليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل كانا من رأي الرئيس سركيس، فيما كان رأي الرئيس كميل شمعون والآباتي شربل قسيس، أن هذه المحافظة الجديدة لن تكون تقسيمية بل من أجل تسهيل أمور الناس.
في النهاية توافق أعضاء "الجبهة" على عدم ممانعة طلب الرئيس سركيس الذي كان مصرًّا عليه، وأعيد ربط هذه الأقضية بمركز المحافظة في طرابلس بعد تعيين اسكندر غبريال محافظًا للشمال.
ربط مناطق الأطراف المسيحية بالمنطقة الشرقية
مطلع 1977 وبدعوة من الآباتي شربل قسيس عقدت في الكسليك سلسلة اجتماعات ضمت مسؤولين من "الجبهة اللبنانية" وفصائلها المقاتلة، وأعضاء لجنة البحوث والهيئة المارونية للتخطيط، بمشاركة ضباط وخبراء وأكاديميين لدرس المرحلة المقبلة.
من أهم الأسئلة التي طرحت: أسباب سقوط القرى المسيحية عند الأطراف وكيفية العمل لصمود تلك القرى إذا تعرضت لهجمات جديدة؟
وضعت عدة دراسات خلصت إلى أنه يمكن تلخيص أسباب سقوط تلك القرى بما يلي:
- غياب عنصر الشباب بالإجمال عن قراهم، بسبب هجرتهم ونزوحهم للعمل والعلم، والتي ما كان يوجد فيها إلا متقاعدون بشكل عام.
- عدم وجود أسلحة كافية للدفاع عن القرى وما تم توزيعه بعد وصول باخرة الأكوامارينا لم يكن بالحجم المطلوب.
- غياب أي اكتفاء ذاتي للقرى من التموين والطبابة: الجريح شهيد.
- عدم وجود طرقات سهلة للتنقل بين القرى المسيحية ما يضطر الأهالي للمرور في قرى وأماكن غير مضمونة.
ما الحلول المقترحة؟
- تدريب شباب القرى وتأمين حاجات كل قرية من الأسلحة والذخائر والمؤن والأدوات الطبية ما يكفيها للصمود إلى حين وصول الدعم من المنطقة الشرقية.
- إيجاد مجالات عمل في القرى ليتمكن الشباب من الصمود فيها وعدم النزوح، ومدارس للطلاب فلا يضطر إلّا الطالب الجامعي للتوجه إلى المنطقة الشرقية.
- الأهم: عدم بقاء أي قرية مسيحية معزولة عن باقي القرى المسيحية في المنطقة وربط كل مناطق الأطراف بالمنطقة الشرقية عبر طرقات سهل حمايتها ولا تمر داخل قرى وبلدات غير مضمونة، ما يسهل إيصال الدعم العسكري والمدني.
تكفلت "الجبهة اللبنانية" بالسعي لإصدار قرارات الاستملاك اللازمة لشق تلك الطرقات، فيما أعلنت الرهبنة اللبنانية استعدادها لشراء ما يتوجب من الأراضي لتسهيل شقها.
من الطرقات التي تقرر شقها:
في الشمال: طريق زغرتا – تربل - حريقص – بينو - القبيات – شدرا. تقرر شق هذا الطريق من زغرتا إلى شدرا عند الحدود الشمالية بعيدًا من طرابلس والمخيمات الفلسطينية تربط القرى المسيحية في الضنيه وعكار، وبوشر بدراسة تخطيطه.
ويقول الأستاذ يوسف الكفروني مفوض حزب الكتائب في عكار وممن تابعوا هذا المشروع: "كلنا اعتبرنا بدايةً هذا المشروع من الأحلام، ولكن عندما رأينا الخرائط والدراسات، تأكد لنا أنه ممكن تحقيقه، ولو تحقق ، لكان التنقل بين عكار وزغرتا وباقي المنطقة الشرقية نزهة ولبقي أبناء عكار في قراهم".
وضع منطقة دير الأحمر
كان صمود منطقة دير الأحمر خلال حرب السنتين معجزة حقيقية، خاصة بعدما سدت طريق عيناتا – الأرز بسبب تراكم الثلج فأصبحت المنطقة معزولة نهائيًا، وعاني الأهالي ما لا يوصف. ولعدم تكرار هذه المعاناة تقرر تحويل دير الأحمر والقرى المحيطة بها إلى منطقة مكتفية ذاتيًا بالكامل: إنشاء مستشفى ودعم المدارس وإيجاد فرص عمل ونقل دوائر دولة إليها، ما يجنب الأهالي التوجه إلى بعلبك لإنجاز معاملاتهم.
طريق جبيل – العاقورة – دير الأحمر – القاع
كانت محاصرة منطقة دير الأحمر بالثلج هاجسًا للمجتمعين، فلا بد من إيجاد معبر يربط البقاع الشمالي بالمنطقة الشرقية يبقى سالكًا طوال السنة. وبعد دراسات عدة، تبيّن أن المعبر من العاقورة - ضهور الرويس - بركة العبد - عيناتا هو الأنسب والأقصر بحيث لا يتعدى طوله 20 – 22 كلم، ولا تقفل الثلوج هذه الطريق إلا في أيام قليلة في السنة، كما من الممكن ألّا تقفل ولا يوم إذا استمر جرف الثلج، وهذا الطريق بعيد نسبيًا عن أي قوى قد تحاول قطعها.
وتقرر توسيع طريق موجود، واختصارًا للمسافات بشق طريق في أماكن أخرى فيتم ربط منطقة دير الأحمر بالعاقورة ومنها نزولًا إلى جبيل.
ولعدم بقاء قرى القاع وراس بعلبك والفاكهة في البقاع الشمالي معزولة تقرر شق طريق يربط هذه البلدات بمنطقة دير الأحمر. ويبدأ هذه الطريق قرب عيناتا ويعبر: مرسل - المقسم – وادي غانيت – الحرفوش – صوغا – جبولة حتى مفرق راس بعلبك بطول حوالى 30 كلم ومن ثم إلى الفاكهة – القاع. وهذا الطريق يمكن الدفاع عنه وإعادة فتحه إذا تم إقفاله.
ووضعت الخرائط وكان العمل سيبدأ ربيع 1978، لكن تسارع الأحداث بعد حادثة الفياضية أوقف كل هذه المخططات.
قد يعتقد البعض أن الطريق ما بين عيناتا ومفرق راس بعلبك كان حلمًا لا يمكن تحقيقه، وبحسب بعض المتابعين نحن نتحدث عن سنة 1977 وليس اليوم. ووقتها، ما كان الوضع الديموغرافي والسكاني المسيحي في البقاع الشمالي كما هو اليوم، فكان من الممكن شقه واستعماله.
في الختام، من يقرأ هذا المقال وفيه غيض من فيض هل يحق له القول مجددًا إن "الجبهة اللبنانية" يومها كانت مع التقسيم؟