خسر لبنان، طوال سنوات الحرب، عشرات القادة، ولفّ الحزن كل البيوت اللبنانية، لكن تبقى خسارة شبل عيسى الخوري، ابن الرابعة والعشرين، في معارك الكورة في تموز 1976، جرحًا مفتوحًا حتى اليوم.
هو الابن الوحيد للنائب والزعيم قبلان بك عيسى الخوري. وكان قد هبط، صباح 5 تموز 1976، من بشري إلى عين عكرين، على رأس مجموعات من مقاتلي لواء قاديشا الذي كان يقوده. ورغم إلحاح الجميع عليه بوجوب البقاء في غرفة العمليات، رفض وأصرّ على مرافقة المقاتلين.
وفي صباح 6 تموز، فيما كانت المعارك محتدمة بعنف في منطقة القلع في أميون، وصل وشرع يراقب بالمنظار، من خلف إحدى الصخور، سير المعركة. ولم تلبث رصاصة أن أصابته في رأسه، فسقط أرضًا.
وتحت وابل كثيف من الرصاص، أسرع أحد المقاتلين وحمله على ظهره إلى الخطوط الخلفية، ثم إلى مستوصف ميداني عند كنيسة مار سابا في عبدين، حيث أُجريت له إسعافات أولية، نُقل بعدها إلى مستشفى البترون عبر طريق قنات - بساتين العصي - البترون، ومن ثم إلى مستشفى سيدة لبنان في جونيه، حيث فارق الحياة في 12 تموز، وعاد إلى عرين المقدمين شهيدًا.
كان يوم عودته شهيدًا يومًا تاريخيًا في جبة بشري، حيث خرجت كل قرى الجبة لاستقباله، ورُفعت صوره في كل أنحاء وادي قاديشا، وراحت البلدات تستقبله استقبال الأبطال العائدين بالنصر. ولدى وصول الموكب إلى بشري، لم يعد يُسمع سوى أزيز الرصاص ودوي الانفجارات.
أُقيم للشهيد مأتم حاشد، تبارى فيه الشعراء في إلقاء قصائد في رثائه، وكان أبرزها للشاعر مالك طوق، بعنوان "يا شبل الشباب"، ومما جاء فيها:
لما توصل عا السما رح يسألوا:
من وين جايي هالبطل ... وين كان؟
لا تقول انت مين... هني بيعرفوا
عينيك لون الأرز لازم يعرفوا
وجك بطل
قلبك بطل... ملو الجبل
دمك بطل
بتراب لبنان انجبل
رح قلهن لا تفزعوا
عا أرضنا كل ما وقع منا شهيد
ميتين أرزة من التراب بيطلعوا
وبيوقفوا بوج الدني
لا تفزعوا
يتذكر أحد المشيعين أنه، حين أزفت ساعة الرحيل وصعد الشيخ قبلان عيسى الخوري وزعماء بشري وعدد من قيادات الجبهة اللبنانية لوداع الشهيد، لم يتمكن العديد من القادة من إكمال صعود الدرج، بسبب حالة الألم والحزن المسيطرة عليهم، وكانوا يذرفون الدموع بغزارة. لكن الشيخ قبلان تابع خطواته، ودخل إلى حيث كان وحيده مسجّى، رافعا رأسه، ورمى مفاتيح المنزل إلى ولده، قائلا له: "خود مفاتيح البيت معك".
ويضيف المشيّع: أعطت صلابة الشيخ قبلان عيسى الخوري وقوته، وهو يودع وحيده ويتقبل التعازي باستشهاده، دفعا وقوة لمحازبيه ومناصريه الذين كانوا لا يزالون واقعين تحت هول الصدمة، كما كانتا موضع تقدير من جميع القيادات التي شاركت في المأتم أو وصلت للتعزية.
بعد 34 سنة على استشهاد وحيده، التقاه والده الشيخ قبلان مجددًا سنة 2010.
ويوم تشييعه، رثاه الشاعر أنطوان مالك طوق بقصيدة وجدانية، ختمها بقوله:
لو هالجبل عندو دمع... دمّع
ولو هالأرز بينخّ... نخّلك
وكتب المفكر معن بشور، يوم وفاة قبلان بك:
"... لا أنسى كلمة قالها الرئيس الأسبق أحمد بن بلة سنة 1997، وهو يغادر منزل الشيخ قبلان في الأرز، بعد استقبال حافل أعدّه له، متوجهًا إلى الديمان للقاء البطريرك صفير: أنا مذهول بأمرين: أولهما أرز الشجر الموزع في الغابة الجميلة، وأرز البشر المجسّد بقبلان عيسى الخوري".