العميد المتقاعد جوني خلف

حين تصبح الكلمة موقفًا… والورق جبهة

4 دقائق للقراءة

"الكلمة المطبوعة على الورق قدسيتها منذ صدور الكتب المقدسة، وكلّ ما يُكتب على الورق يبقى".

بهذه العبارة اختصر الشريك في "نداء الوطن" عمر حرفوش جوهر الصراع الدائر اليوم حول الصحافة الحرّة في لبنان. صراع على الذاكرة، وعلى من يملك حق رواية الحقيقة في بلدٍ يحاول فيه كثيرون الهروب من المحاسبة عبر إسكات الكلمة.

زيارة حرفوش إلى مكاتب "نداء الوطن" الأسبوع الفائت، برفقة الناشر ورئيس مجلس إدارة MTV ميشال المر، ورئيس تحرير الجريدة أمجد اسكندر، لم تكن لقاءً عابرًا أو بروتوكوليًا، بل رسالة واضحة بأن الإعلام لم يعد هامشًا في المعركة السياسية، بل أحد ميادينها الأساسية.

في لبنان، لم تعد الكلمة محايدة. كلّ مقال سيادي يُكتب، وكل عنوان واضح يُنشر، يُقابَلان بمحاولات تطويع أو تخويف. لذلك، فإن الإصرار على الصحافة المكتوبة، وعلى الورق تحديدًا، ليس حنينًا رومانسيًا، بل فعل تحدٍ في وجه ثقافة المحو والتهديد. فالورق لا يُمحى، والأرشيف لا يُنسى، والكلمة المكتوبة تبقى شاهدًا حين يسقط شهود كُثُر.

وجود ميشال المر على رأس هذه المؤسسة الإعلامية ليس تفصيلًا إداريًا، بل عامل توازن أساسيًا في مرحلة اختلطت فيها السلطة بالإعلام، والضغط السياسي بالابتزاز غير المعلن. فمن خبر دهاليز الإعلام والسياسة معًا، يدرك أن حرية الصحافة لا تُحمى بالحياد الزائف، بل بثبات الموقف ورفض الخضوع لأي وصاية.

أمّا رئيس التحرير أمجد اسكندر، فيقود "نداء الوطن" في واحدة من أخطر المراحل التي يمرّ بها الإعلام اللبناني، حيث تتحوّل كلّ افتتاحية إلى اختبار، وكلّ عنوان إلى خط تماس. ورغم الضغوط، تحافظ الجريدة على خطّها المهني والسيادي: لا تحريض، لا تمييع، ولا تراجع عن الثوابت، لأن التراجع هنا لا يعني التهدئة، بل الانكسار.

ويبرز دور عمر حرفوش كشريك أساسي في هذا المشروع، ليس من موقع الدعم فقط، بل من موقع الإيمان بأن الصحافة الحرة ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل شرطًا لبقاء الدولة. فحين يُستهدف الإعلام، يكون الاستهداف موجّهًا إلى وعي الناس، وإلى حقهم في معرفة من عطّل الدولة، ومن صادر القرار، ومن يحاول إسكات كلّ صوت خارج الاصطفاف المفروض.

أن تكتب اليوم في "نداء الوطن" يعني أن تختار موقعًا صعبًا، وأن تقبل بأن الكلمة قد تكون مكلفة. لكنه أيضًا اختيار الانحياز إلى لبنان الذي لا يزال يؤمن بأن الحقيقة لا تُدار بالتراضي، ولا تُقايَض بالأمان.

بوصفي كاتبًا أسبوعيًا في هذه الجريدة، أدرك أن الصمت قد يكون أكثر أمانًا، لكنه بالتأكيد ليس أكثر شرفًا. فحين تُرهب الصحافة، يُفتح الباب أمام دولة بلا محاسبة، وسلطة بلا مساءلة، ووطن بلا ذاكرة.

إن استهداف الصحافة الحرّة في لبنان ليس حادثًا معزولًا، بل جزءًا من مسار منظم يهدف إلى إخضاع الوعي العام قبل إخضاع الدولة. حين تُهدَّد صحيفة، لا يكون الهدف إسكات مقال، بل كسر ميزان المحاسبة، وتحويل الفشل إلى قدر، والانهيار إلى أمر واقع.

من يهاجم "نداء الوطن"، صراحة أو تلميحًا، لا يهاجم صحيفة، بل يهاجم فكرة أن هناك من لا يزال يجرؤ على التسمية، وعلى تحميل المسؤوليات، وعلى رفض منطق الترهيب بدل الحُجّة. سلطة تخاف الورق لأنه لا يُمحى، وترتعب من الأرشيف لأنه يدين، وتكره الكلمة لأنها تُراكم ولا تُنسى.

إن الدفاع عن "نداء الوطن" هو دفاع مباشر عن حق اللبنانيين في دولة تُدار بالقانون لا بالتهديد، وبالمحاسبة لا بالإفلات من العقاب. وأمام هذا الواقع، يصبح الصمت تواطؤًا، والحياد تخلّيًا، والمجاملة خيانة للحقيقة.

لهذا، سنكتب. لا عنادًا، بل دفاعًا عن حقنا في دولة.

وسنسمّي الأمور بأسمائها، لأن الأوطان لا تُبنى بالهمس، ولأن ما يُكتب على الورق… يبقى.

تحية احترام وتقدير لكل فريق "نداء الوطن" للمحرّرين، للصحافيين، للإدارة، ولكلّ من يكتب بصمت، ولكلّ من يكتب وهو يعلم أن الكلمة قد تكون خطرة، لكن غيابها… أخطر.

لتَبقَ الكلمة حرّة.