وفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوعده بملاحقة التنظيمات الجهادية الإرهابية التي تستهدف المسيحيين في نيجيريا منذ عقود، عبر قصفه مواقع لإرهابيين تابعين لتنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال غرب البلاد ليل الخميس - الجمعة، متوعّدًا بمزيد من الضربات في حال استمرّ اضطهاد المسيحيين النيجيريين. ينطلق التدخل الأميركي العسكري المستجد في أفريقيا، التي لا تعتبر منطقة ذات أولوية استراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، من اعتباريْن رئيسيين: أولًا، قُتل أكثر من 100 ألف مسيحي في نيجيريا منذ عام 2009، من ضمنهم أكثر من 7000 خلال أول 220 يومًا من عام 2025، الأمر الذي أثار ضغوطًا ودعوات من شخصيات سياسية رسمية وغير رسمية مؤثرة في اليمين الأميركي إلى التدخل في نيجيريا لوقف سفك الدم.
ثانيًا، تسعى واشنطن إلى ضرب الجماعات الجهادية في معاقلها لإضعافها ومنعها من نقل نشاطاتها إلى أميركا وحلفائها، لكن في الوقت عينه، أوضحت استراتيجية الأمن القومي الأميركية في الفقرة المخصّصة لأفريقيا أنه "يجب أن نظل حذرين من عودة نشاط الجماعات الإرهابية الإسلامية في أجزاء من أفريقيا، مع تجنب أي وجود أو التزامات أميركية طويلة الأمد"، ما يشي بأن أميركا ستستمرّ في تنفيذ "استهدافات جراحية" للإرهابيين في "القارة السمراء" وستعزز التعاون مع الشركاء في المنطقة، من دون أن تنجرّ إلى "حروب استنزاف" طويلة غير واضحة الأهداف والأفق كما حصل في أفغانستان والعراق.
في هذا الإطار، كشف ترامب أن الولايات المتحدة نفذت ضربة قوية ومميتة ضدّ "حثالة إرهابيي تنظيم "داعش" في شمال غرب نيجيريا، الذين دأبوا على استهداف وقتل الأبرياء، ولا سيّما المسيحيين، بوحشية، وعلى مستويات لم تُسجّل منذ سنوات طويلة، بل منذ قرون!"، مشيرًا إلى أنه "كنت قد حذرت هؤلاء الإرهابيين سابقًا من أنهم إن لم يوقفوا ذبح المسيحيين فسيكون الثمن باهظًا، وقد كان كذلك" مساء الخميس. وإذ أوضح أن وزارة الحرب نفذت عددًا كبيرًا من الضربات المتقنة، على نحو لا تستطيع القيام به إلّا الولايات المتحدة، أكد أنه "في ظلّ قيادتي، لن تسمح بلادنا بازدهار الإرهاب الإسلامي المتطرّف"، متمنيًا "عيد ميلاد مجيد للجميع، بما في ذلك الإرهابيون القتلى، الذين سيكون عددهم أكبر بكثير إذا استمرّ ذبحهم للمسيحيين".
وذكرت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا أن الضربة نفذت في ولاية سوكوتو بالتنسيق مع السلطات النيجيرية، فيما قدّم وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث شكره للحكومة النيجيرية على دعمها وتعاونها، متوعدًا بأن "المزيد سيأتي لاحقًا...". وأفاد مسؤول أميركي لشبكة "سي أن أن" بأن الضربات شملت صواريخ "توماهوك" أطلقت من سفينة تابعة للبحرية الأميركية واستهدفت معسكرَين لتنظيم "داعش". وكشف مسؤول عسكري أميركي لوكالة "رويترز" أن الضربة استهدفت عددًا من المسلّحين في معسكرات معروفة لتنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي.
توازيًا، أوضح وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار لـ "بي بي سي" أن الضربة كانت "عملية مشتركة" تستهدف "الإرهابيين" و"لا علاقة لها بأي دين بعينه"، لافتًا إلى أنه جرى التخطيط للعملية "منذ فترة طويلة" واستندت إلى معلومات استخباراتية قدّمها الجانب النيجيري. ولم يستبعد شن المزيد من الضربات، مشيرًا إلى أن ذلك يعتمد على "قرارات ستتخذها قيادة البلدين". وأكد توغار لـ "سي أن أن" أنه تحدّث مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قبل الضربة، وأن الرئيس النيجيري بولا تينوبو أعطى "الضوء الأخضر"، مشددًا على أنه "من كان مستعدًا للعمل معنا لمكافحة الإرهاب، فنحن مستعدون وراغبون وقادرون... لقد أثبتنا ذلك" الخميس. وكانت وكالة "رويترز" قد ذكرت الإثنين أن أميركا تجري طلعات جوية لجمع المعلومات الاستخباراتية فوق مناطق واسعة من نيجيريا منذ أواخر تشرين الثاني الماضي.
وفي رسالة بمناسبة عيد الميلاد نشرت على موقع "إكس" في وقت سابق، دعا تينوبو إلى السلام في بلاده، "خصوصًا بين الأفراد الذين لديهم معتقدات دينية مختلفة"، مؤكدًا التزامه "ببذل كل ما في وسعي لترسيخ الحرّية الدينية في نيجيريا وحماية المسيحيين والمسلمين وجميع النيجيريين من العنف". وكانت الشرطة قد ذكرت الخميس أن انتحاريًا مشتبهًا فيه قتل ما لا يقل عن خمسة أشخاص وأصاب 35 آخرين في مسجد في شمال شرق نيجيريا، وهي منطقة أخرى تعاني من تمرّد الجماعات الإسلامية المتطرّفة.
تجدر الإشارة إلى أن نيجيريا تواجه جماعات مسلحة عدة، من بينها جماعتان على الأقل مرتبطتان بتنظيم "الدولة الإسلامية"، إحداهما منبثقة من جماعة "بوكو حرام" وتُعرف باسم "الدولة الإسلامية - ولاية غرب أفريقيا" في الشمال الشرقي، إضافة إلى جماعة "لاكوراوا" الأقل شهرة، والبارزة في ولايات الشمال الغربي، حيث تستخدم العصابات مساحات شاسعة من الغابات كمخابئ.
ورجّح محلّلون أمنيون لوكالة "أسوشييتد برس" أن هدف الضربات الأميركية قد يكون جماعة "لاكوراوا"، التي أصبحت خلال العام الماضي أكثر فتكًا في المنطقة، وغالبًا ما تستهدف المجتمعات النائية وقوات الأمن. وأوضح الباحث النيجيري في الشؤون الأمنية لدى منظمة "الحوكمة الرشيدة في أفريقيا" مالك صموئيل أن "لاكوراوا" تسيطر فعليًا على أراض داخل نيجيريا، في ولاية سوكوتو وفي ولايات أخرى مثل كبي، مرجعًا ذلك إلى شبه غياب الدولة والقوات الأمنية في البؤر الساخنة.