في كلّ مرحلة لبنانيّة مفصليّة، يعود اسم نبيه برّي ليُطرَح بوصفه «الضرورة» التي لا بديل عنها، داخليًا وخارجيًا. آخر هذه السرديّات ما روّجته تقارير عن كونه خارج أي استهداف أميركي–سعودي، بل محلّ حاجة دوليّة مستمرّة، باعتباره "طرفًا مقرّرًا" لا مجرّد ممثّل شيعي. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت هذه الحاجة قائمة فعلًا، أم أنّها تحوّلت إلى عبء على الدولة والطائفة معًا؟
لا شكّ أنّ برّي راكم، على مدى عقود، شبكة علاقات دوليّة وعربيّة، خصوصًا مع واشنطن وباريس والرياض، واستطاع أن يقدّم نفسه كـ"رجل تسويات" و"صمّام أمان" في نظام مأزوم. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما كان، بل بما هو قائم اليوم، وبالنتائج الملموسة على الدولة والمجتمع.
في البيئة الشيعيّة تحديدًا، لم يعد السؤال محصورًا بالخلاف مع "الثنائي" كمعادلة سياسيّة، بل بتداعيات نمط الحكم الذي كان برّي أحد أعمدته الأساسيّة. فالكثير ممّا يُوصَف اليوم بـ"الاختناق الشيعي" ليس نتاج لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من الزبائنيّة، والهيمنة على مفاصل الدولة، وتفريغ المؤسّسات من دورها لمصلحة شبكات الولاء.
فضائح الجامعة اللبنانيّة، على سبيل المثال، ليست تفصيلًا إداريًا. فهي تعكس نموذجًا كاملًا من المحاصصة التي حوّلت المؤسّسة الأكاديميّة الأم إلى ساحة نفوذ سياسي، حيث التعيينات، والتفرّغ، والقرارات، تُدار بمنطق القرب من هذا الزعيم أو ذاك. ومن غير الواقعي الادّعاء بأنّ هذا المسار جرى بمعزل عن عين التينة، التي شكّلت لعقود مرجعيّة أساسيّة في إدارة هذا الملف.
الأمر نفسه ينسحب على ما يُعرف بالبطالة المقنّعة في وظائف الدولة، حيث جرى استخدام القطاع العام كخزّان توظيف سياسي، لا كإدارة عامّة تخدم المواطنين. هذا النموذج، الذي استفادت منه قوى عدّة، كان برّي أحد مهندسيه وحماته، بحكم موقعه وقدرته على تعطيل أو تمرير التشريعات والقرارات. والنتيجة: دولة مفلسة، إدارات مترهّلة، وشباب شيعي – كما غيره – بلا فرص حقيقيّة.
هنا تحديدًا يسقط منطق "الحاجة الدوليّة". فالدول لا تحتاج أشخاصًا بقدر ما تحتاج استقرارًا قابلًا للاستمرار. وإذا كان برّي يُقدَّم خارجيًا كضامن للتهدئة أو كقناة تواصل، فإنّ هذا الدور يفقد قيمته حين يتحوّل داخليًا إلى جزء من مشكلة بنيويّة تعيق أي إصلاح حقيقي. لا إعادة إعمار بلا دولة، ولا دولة مع نظام محاصصة يُدار بالأسماء نفسها منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
ثمّة فارق كبير بين "عدم الاستهداف" و"الحاجة الفعليّة". قد تكون واشنطن والرياض غير معنيّتَين اليوم بفتح معركة على رئاسة مجلس النوّاب، لكن هذا لا يعني تفويضًا مفتوحًا، ولا شيكًا على بياض. هو أقرب إلى إدارة وقت، لا إلى رهان طويل الأمد. والتجارب السابقة في لبنان تُظهر أنّ الخارج يتخلّى سريعًا عن أيّ شخصية حين تصبح كلفتها أعلى من فائدتها.
السؤال لم يعد: هل يحتاج الخارج إلى نبيه برّي؟ بل: هل يستطيع لبنان، والطائفة الشيعيّة تحديدًا، تحمّل استمرار النموذج الذي يمثّله؟ بين الحاجة الظرفيّة والاستحقاق التاريخي، يبدو الفارق اليوم أوضح من أيّ وقت مضى.