تميّز عام 2025 بتكريم أعمال أدبية وروائية عربيّة وعالميّة، تعكس عمق التجربة الإنسانية وتعقيداتها. اللافت هذا العام كان تركيز الجوائز على الأدب الذي يجمع بين البحث المعمّق والتحليل النفسي والاجتماعي، ما يؤكّد قيمة النصوص التي تقدّم رؤية فريدة وتجارب إنسانية متعدّدة الأبعاد، في مواجهة سطحيّة الزمن الراهن.
نوبل في الأدب
"الأكاديمية السويديّة" منحت في تشرين الأول 2025، "جائزة نوبل في الأدب"، للكاتب المَجَري لاسلو كراسناهوركاي (71 عامًا) تكريمًا لمجموع أعماله الأدبية الملهِمة والرؤيوية، التي "تؤكد مجدَّدًا قوة الفن". وأشار رئيس "لجنة نوبل" أندرس أولسون إلى أنّ أعمال كراسناهوركاي "تطوّرت نحو بناء جُمَل متدفقة وطويلة، شبه خالية من علامات الترقيم، وتحوّلت إلى سِمته الأسلوبية الفارقة".
أما الناقد الأدبي جيمس وود، فرأى أن كتب كراسناهوركاي "تتنقل بين القرّاء كما لو كانت عملة نادرة"، في إشارة إلى فرادتها وصعوبة استنساخ تجربتها الأدبية.
في المقابل، علّق كراسناهوركاي: "أنا سعيد جدًّا بحصولي على "جائزة نوبل"، لأنها تثبت أن الأدب قائم بذاته، وأنه ما زال يُقرأ. وللقراء، يقدّم الأدب نوعًا من الأمل بأن الجمال والسمو والنبل ما زالت موجودة لذاتهم".
لاسلو كراسناهوركاي كان برز منذ روايته الأولى "Satantango" الصادرة عام 1985، والتي تصوّر مجتمعًا ريفيًا منهارًا. وقد فازت لاحقًا بـ "جائزة البوكر الدوليّة" 2015، وتحوّلت إلى فيلم من سبع ساعات.
جائزة غونكور الأدبية
أما في باريس، فأعلنت لجنة "جائزة غونكور الأدبية" في تشرين الثاني 2025، عن منح الجائزة للكاتب الفرنسي لوران موفينييه عن روايته "La Maison vide" (البيت الفارغ)، وهي رواية عائلية ضخمة من نحو 750 صفحة تسرد التاريخ العائلي عبر أجيال متعدّدة.
وأعرب موفينييه (58 عامًا)، عن فرحه بالفوز قائلًا: "أنا في غاية السعادة... إنها مكافأة عظيمة لأنها رواية من طفولتي ترتبط أحداثها بأجيال عدة".
ورغم أن البيان الرسمي للجائزة يقتصر عادةً على إعلان اسم الفائز وعمله، أشارت التقارير الصحافية ووسائل الإعلام يومها إلى أن رواية "La Maison Vide" اعتُبرت من قبل أعضاء لجنة التحكيم عملًا بارزًا في موسم "الغونكور"، ووُصفت بأنها "رواية عميقة في تحليل الأسرة والذاكرة والهوية".
جائزة الشيخ زايد للكتاب
عربيًّا، فازت الكاتبة اللبنانية الفرنسية هدى بركات بـ "جائزة الشيخ زايد للكتاب" في نيسان 2025، ضمن "فئة الأدب" عن روايتها "هند أو أجمل امرأة في العالم". هذه الجائزة التي ينظمها "مركز أبو ظبي للغة العربية"، تُعدّ من أبرز الجوائز الأدبية في العالم العربي وتُمنح سنويًا لأعمال متميّزة في مجالات الأدب والثقافة. وقد اختيرت رواية بركات من بين ثلاثة أعمال ضمن "القائمة القصيرة"، وتدور حول أم تفقد ابنتها الكبرى الجميلة هند، وعندما تظهر على ابنتها الثانية هنادي، علامات مرض ضخامة الأطراف (Acromegaly) الذي يؤدي إلى نمو زائد في أجزاء معينة من الجسم، تخفي الأم هذه الابنة بعيدًا.
وكتب منظمو الجائزة: "من خلال صوت سرديّ متأمِّل، تستكشف هذه الرواية حياة الأشخاص الذين يعيشون على هامش المجتمع. وتفحص بركات التحديات النفسية والجسدية التي يواجهها هؤلاء الأفراد، مستعرضةً معايير الجمال في ثقافات مختلفة من خلال شخصيات معقدة وصوت إنساني غني وتحليلي".
إشارةً إلى أنّ هدى بركات من مواليد بيروت عام 1952، انتقلت للعيش في فرنسا منذ العام 1989 ودرست الأدب الفرنسيّ وعملت في التدريس والصحافة.
البوكر الدوليّة
في دورة 2025، مُنحت "جائزة البوكر الدولية للترجمة" (International Booker Prize) للكاتبة الهندية بانو مشتاق (Banu Mushtaq) عن عملها "Heart Lamp"، المكتوب أصلًا بلغة الكانادا، مع ترجمة إنكليزية حازت تقدير لجنة التحكيم. ويُعد هذا الفوز سابقة، إذ إنها المرة الأولى التي تُمنح فيها الجائزة لعمل مكتوب باللغة المحلية الهندية.
واعتبر نقاد ووسائل إعلام ثقافية أن هذا الفوز في أيار 2025، يحمل بعدًا تاريخيًا، لأنه يعكس انفتاح الجائزة على لغات وهوامش أدبية غير مهيمنة، ويؤكد أن القيمة الأدبية لا ترتبط بلغة مركزية أو سوق نشر كبرى، بل بقدرة النص على نقل تجربة إنسانية عميقة إلى قارئ عالمي.
والجائزة واحدة من أرفع الجوائز الأدبية العالمية، تُمنح سنويًا لعمل روائي أو قصصيّ مترجَم إلى اللغة الإنكليزية ومنشور في بريطانيا أو إيرلندا. كما تتميّز الجائزة بأنها تُكافئ الكاتب والمترجم معًا، في تأكيد على دور الترجمة بوصفها جسرًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن النص الأصلي.
البوكر العربية
وإلى "الجائزة العالمية للرواية العربية" (البوكر العربية)، التي فاز فيها في نيسان 2025 الروائي المصري محمد سمير ندا (47 عامًا)، عن روايته "The Prayer of Anxiety" (صلاة القلق). والرواية هي الثالثة في مسيرة ندا الأدبيّة، تدور أحداثها في قرية معزولة بصعيد مصر، وتستخدم الحكاية كاستعارة لفحص تأثير الخوف والتضليل على الذاكرة الجماعية والسلوك الاجتماعي.
أعضاء لجنة التحكيم وصفوا الرواية بأنها تُحوّل القلق إلى تجربة جمالية وفكرية تتجاوب مع القارئ وتثير أسئلة وجودية ملحّة. ويعد هذا الفوز، الأول لمؤلف مصري منذ 2009 في هذه الجائزة البارزة، التي تمنح الفائز 50 ألف دولار بالإضافة إلى دعم لترجمة الرواية إلى لغات أخرى. ويشكل فوز ندا هذه السنة علامة فارقة للأدب المصري المعاصر في المشهد العربي والدولي.
والجائزة المعروفة باسم "International Prize for Arabic Fiction – IPAF"، هي جائزة أدبية سنوية تُمنح لأفضل رواية منشورة باللغة العربية. وقد أُنشئت عام 2008 بدعم من "مؤسسة بوكر" البريطانية بهدف تعزيز الأدب العربي وتسليط الضوء على الروايات المتميزة وتشجيع قراءتها عالميًا.
جائزة الملك فيصل العالمية
أما في دورة هذه السنة من "جائزة الملك فيصل العالمية"، ففضلت اللجنة حجب الجائزة في فرع اللغة العربية والأدب، حيث أعلنت أن الأعمال المرشحة لم ترتقِ إلى معايير التقييم الصارمة. وكان موضوع هذه الدورة هو "دراسات الهوية في الأدب العربي".
تجدر الإشارة أخيرًا، إلى أن نقادًا في صحف عالميّة مرموقة أجمعوا على أن جوائز هذا العام لم تكن مجرّد احتفاء، بل شكّلت "تصحيحًا للمسار الثقافي العالمي". ففي وقت راهن البعض على الأسماء السهلة، فاجأت لجان التحكيم الجميع بالانحياز لما هو صعب ضد السهولة الرقميّة، وتاريخي ضد النسيان السريع، ومحليّ ضد القوالب الجاهزة. وبذلك كان عام 2025، سنة "المقاومة الثقافية" بامتياز.