في رواية "أُغالب مجرى النهر" للكاتب الجزائري سعيد خطيبي لسنا أمام حكاية بوليسية تقليدية، ولا مجرّد سرد اجتماعي عن امرأة في مأزق، بل أمام نصّ مشدود الأعصاب يضع قارئه منذ الصفحات الأولى في قلب غرفة تحقيق، ثم يتركه يتخبّط في طبقات متراكبة من الذنب والشك والذاكرة والالتباس الأخلاقي.
لا تمضي الرواية في خطّ مستقيم، إذ تُغالب بالفعل مجراها مثل بطلتها التي تحاول السباحة عكس تيارات متعدّدة تتمثل في سُلطات الزوج والمجتمع والدولة.
الرواية المُدرَجة ضمن "القائمة القصيرة" لـ "الجائزة العالميّة للرواية العربية (البوكر العربية)" لعام 2026 والتي سيُعلَن عن الفائز بها يوم الخميس المقبل في 9 نيسان الجاري، صدرت عن "دار نوفل - هاشيت أنطوان" سنة 2025، وتبدأ بمشهد احتجاز خانق حيث تجد طبيبة العيون "عقيلة تومي" نفسها في زنزانة ضيِّقة، تتأرجح بين الإنكار والخوف، بينما تلوح في ذهنها صورة ابنتها كخشبة نجاة. ومنذ اللحظة الأولى يزرع الكاتب سؤالًا مركزيًّا يتعلّق بما فعلته هذه المرأة، غير أن السؤال الأعمق يرتبط بالدوافع التي قادتها إلى ما حدث. فالرواية لا تنشغل بالواقعة بقدر انشغالها بالمسار الداخليّ الذي مهّد لها.
الجسد والسلطة
واحدة من أكثر طبقات الرواية إيلامًا، تتمثل في علاقة "عقيلة" بزوجها "مخلوف" الطبيب الشرعي. زيجتهما تخلو من المودّة ويسودها احتقار صامت وهيمنة ذكورية تتخفى أحيانًا وراء خطاب ديني أو أخلاقي.
لا يُقدِّم خطيبي زوجًا كاريكاتوريًا شريرًا، بل رجلًا مألوفًا في قسوته وعاديًا في استبداده، الأمر الذي يجعل صورته أكثر إزعاجًا.
"عقيلة" لا تصرّح بأنها ضحية مباشرة، لكنها تعيش علاقة تستنزفها ببطء. يتغيّر جسدها بعد الإنجاب، وتتشقق نظرتها إلى نفسها تحت ضغط التوقعات. الأمومة هنا لا تُعرَض بوصفها خلاصًا رومانسيًا، بل تجربة ملتبِسة تجمع بين حبّ عميق لابنتها "مينة" وشعور دفين بالذنب لأنها جاءت بها إلى عالم مضطرب. وهكذا تُقدَّم الأمومة، كما الزواج، بوصفها مساحة يختلط فيها الحنان بالاختناق.
أخلاق المهنة وحدودها
يتجلّى أحد أكثر عناصر الرواية إدهاشًا، في اشتغالها على مهنة البطلة المتمثلة في استئصال قرنيّات الموتى لزرعها في عيون الأحياء. هذا التفصيل لا يأتي بوصفه معلومة تقنية فحسب، بل يحمل بُعدًا رمزيًا واضحًا: "عقيلة" تمنح البصر للآخرين بينما تبدو عاجزة عن رؤية حقيقتها كاملة. هي تعمل في منطقة رمادية تفصل بين الحياة والموت، وبين الجسد باعتباره أمانة دينية والجسد بوصفه إمكانية علمية.
ومن خلال هذه المهنة تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًّا مُعقدًا يتعلّق بمدى مشروعيّة الوسائل في سبيل غاية إنسانية. فإذا كانت النتيجة استعادة إنسان لبصره، فهل يمكن التغاضي عن تجاوز القوانين أو الالتفاف على التصاريح؟ الكاتب لا يمنح أجوبة جاهزة، بل يضع القارئ داخل مساحة التردّد نفسها التي تعيشها البطلة، فهي غير واثقة تمامًا من براءتها الأخلاقية حتى لو أصرّت على براءتها القانونية.
حوار بين سردَين
يتشكّل جزء كبير من الرواية عبر جلسات التحقيق مع المحقق "جمال درقين"، حيث يتحوّل الحوار بينهما إلى ما يشبه مبارزة لغوية ونفسية. هو يُمثل القانون بينما تمثل هي سرديّتها الخاصة عن نفسها، وكلٌّ منهما يسعى إلى فرض روايته، بين صورة الطبيبة التي كرّست حياتها لمساعدة الآخرين وصورة المرأة التي ربما تجاوزت الخطوط الفاصلة بين المشروع والممنوع.
المُحقق بدوره ليس خصمًا مسطّحًا، إذ تبدو له نقاط ضعفه الخاصة وعزلته وربما شكوكه أيضًا. بهذا التوازن يتحوّل التحقيق إلى مرآة مزدوجة نكتشف من خلالها البطلة كما نكتشف هشاشة السُّلطة ذاتها، فالقانون لا يظهر ككيان مطلق بل كجهاز بشريّ تتحكم به قناعات وتقديرات وأحيانًا تحيّزات.
الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي
تتسع الرواية خارج مسار التحقيق لتستعيد سيرة الأب الذي شارك في "الحرب العالمية الثانية" وعاد مُحمَّلًا بذكريات وندوب. هذه الاستعادات تربط بين جيلَين: واحدٌ قاتل في حروب الآخرين، وآخر يُحاول إيجاد موقعه في دولة ما بعد الاستقلال. ومن خلال هذه الخلفيّة تلمّح الرواية إلى تحوّلات الجزائر في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، حيث دستور جديد وصحافة مستقلّة وانتخابات بلديّة وتوتر سياسيّ يتصاعد في الخلفيّة.
غير أن كلّ ذلك لا يُطرح كشعارات مباشرة، بل كهواء مشحون يحيط بالشخصيات. الفرد هنا لا يعيش بمعزل عن سياقه، بل تتقاطع أزمته الشخصية مع اهتزازات وطن كامل.
المرأة كذات لا كرمز
أبرز ما يميّز "أُغالب مجرى النهر" أنها لا تختزل بطلتها في شعار نسويّ سطحيّ، فـ "عقيلة" ليست مجرّد رمز لامرأة مضطهَدَة، بل شخصيّة متناقِضة تجمع بين القوة المهنيّة والتردّد العاطفيّ، وبين القسوة أحيانًا والرحمة أحيانًا أخرى. هي قادرة على اتخاذ قرارات جريئة، لكنها تظلّ أسيرة مخاوفها.
وتنجح الرواية في خلق تعاطف مع بَطَلتها من دون تبرئتها بالكامل، وهو توازن يمنح النصّ عمقه، فالشخصيّات النقيّة تمامًا لا تشبه البشر، بينما تشبهنا "عقيلة" في ارتباكها ومحاولتها الدائمة لتبرير أفعالها أمام نفسها. كما يحمل العنوان دلالة مركزيّة تتصل بفعل المُغالَبة المستمر الذي لا يَعِد بنتيجة نهائية، فالمُغالَبة تعني الجهد والمقاومة وربما الخسارة الموقتة، ويمكن للنهر أن يكون المجتمع أو القدر أو حتى ضميرها. البطلة لا تسبح مع التيّار، لكنها لا تضمن النجاة أيضًا، إذ تعيش حالة شدّ دائم بين الرغبة في التحرّر والخوف من العواقب.
سرد متماسك وإيقاع متوتر
من الناحية الفنية يعتمد خطيبي على تنقل محسوب بين الحاضر المتمثل في التحقيق، والماضي الذي يشمل الزواج والطفولة والمشرحة. وهو بناء يمنح الرواية إيقاعًا متوترًا ويجعل كلّ استرجاع يضيء زاوية جديدة من اللغز.
اللغة مشدودة وخالية من الزوائد وتميل إلى الدقة أكثر من البلاغة المتكلِّفة، بما ينسجم مع طبيعة عالم يدور حول الجسد والعيون والتشريح.
يُضاف إلى ذلك توظيف المكان بوصفه فضاءً نفسيًّا بقدر ما هو جغرافيّ، فـ "بوسعادة" (مسقط رأس الراوي) ليست مجرّد مدينة عابرة، بل بيئة محافِظة متشابِكة العلاقات، تصبح فيها السمعة رأس مال وينتقل الهمس أسرع من الحقيقة. هذا المناخ يضاعف عزلة البطلة لأن المجتمع لا يحتاج إلى دليل ليدِين، بل يكفيه الشك. وتتقاطع الأمكنة المغلَقة مثل الزنزانة وغرفة التحقيق والمشرحة وغرفة النوم، لتشكّل سلسلة من الفضاءات الخانقة، كأن البطلة تنتقل من قفص إلى آخر. وحتى حين تتحرّك في الخارج، يظلّ الإحساس بالمراقبة حاضرًا، ما يعكس مرحلة تاريخية حساسة قبيل انفجارات كبرى في البلاد حيث يبقى التوتر مكتومًا تحت السطح.
بذلك تغدو الرواية قراءة في لحظة انتقال تمسّ الوعي الفردي بقدر ما تمسّ الواقع السياسي، لحظة يشعر فيها الإنسان أن الأرض تتحرّك تحت قدمَيه وأن الثبات الذي ظنه صلبًا لم يكن سوى وَهْمٍ موقت.
في النهاية لا تبدو "أُغالب مجرى النهر" رواية عن جريمة محتمَلَة بِقدر ما هي رواية عن الضمير في لحظة اختبار، وعن امرأة تحاول أن ترى بوضوح في عالم تغشاه العتمة، وعن مجتمع يعيش تحوّلات عميقة تختلط فيها النيّات الحسنة بالمصالح ويغدو الخط الفاصل بين القانون والأخلاق أكثر هشاشة ممّا نتصور. إنها حكاية شخصية يتجاوز صداها حدود الفرد، وتترك القارئ أمام سؤال بسيط ومزعج في آن، مفاده أننا حين نغالب مجرى حياتنا، هل نفعل ذلك لأننا على حق، أم لأننا لا نملك خيارًا آخر؟
من هو سعيد خطيبي؟ الكاتب الجزائري سعيد خطيبي، من مواليد "بوسعادة" في العام 1984. حاصل على "ماجستير في الدراسات الثقافيّة" من "جامعة السوربون"، و "ليسانس في الأدب الفرنسي" من "جامعة الجزائر". صدرتْ له خمس روايات، بينها "نهاية الصحراء" (نوفل، 2022) التي حازت "جائزة الشيخ زايد للكتاب" (دورة 2023). تُرجمتْ رواياته إلى سبع لغات. |

