د. بولا أبي حنا

2025: دولة خارج الزمن

4 دقائق للقراءة

لبنان يودّع عام 2025 وقد ثبّت مكانته النهائية لا كدولة فاشلة فحسب، بل كدولة متكاملة العناصر تصلح لأن تكون مختبرًا مفتوحًا لكل من يريد دراسة الانهيار في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية والسياسية. كأن كل ما سبق لا يكفي، يعيش لبنان أيضًا تحت ظل حرب محتملة تُعلّق ما تبقّى من دولة، في وقت يُعاد رسم الشرق الأوسط، بينما لا يزال لبنان يبحث عن تعريفٍ لوضعه.

هنا، لا نعيش أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات تُدار بعناية، وتُحافَظ عليها بسياسة الأمر الواقع، وتُحاط بطبقة حاكمة أتقنت فنّ تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والخراب إلى نمط حكم.

في لبنان، الاقتصاد يُدرَّس بوصفه نموذجًا لانهيار بلا إفلاس، والمصارف تُدرَّس كنموذج لإدارة الخسائر على حساب الأضعف، والفساد يُدرَّس كنظام متكامل لا كحالات فردية، والطائفية تُدرَّس لا كتنوع اجتماعي بل كآلية تعطيل مستدامة، أما "الدولة داخل الدولة" فصارت فصلًا مستقلًا في علوم السياسة، يشرح كيف يمكن للسيادة أن تُجزّأ، وللقرار أن يُؤجَّل، وللسلاح أن يسبق القانون.

لا يمكن لأي دراسة جادة عن لبنان أن تتجاهل الإهمال بوصفه سياسة عامة: انفجار مرفأ بيروت، الذي كان ينبغي أن يكون نقطة تحوّل تاريخية، تحوّل هو الآخر إلى مثال يُدرَّس: كيف يمكن لكارثة بهذا الحجم أن تقع، وأن يُجمَّد التحقيق فيها، وأن يُعاد تدوير الصمت حولها، من دون أن ينهار النظام الذي أنتجها. كأن العدالة في لبنان ليست غائبة، بل مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى، شأنها شأن كل ما هو أساسي.

وإذا كان لا بد من تسجيل لحظة مضيئة في سجلّ 2025، فهي زيارة الحبر الأعظم إلى لبنان، تلك الزيارة التي حملت لغة سلام وأمل، وأعادت تذكير اللبنانيين، ولو لوهلة، بأن هذا البلد ما زال يُرى من الخارج كقيمة، لا كملف. كانت لحظة جامعة، إنسانية، ومعنوية بامتياز، لكنها بدت، للأسف، أشبه باستراحة روحية قصيرة داخل مسار طويل من التدهور الممنهج.

فما عدا تلك الزيارة، مضت السنة في اتجاه واحد: الأسوأ. اقتصاد يتقلّص، مجتمع يهاجر، مؤسسات تترهّل، ودولة تتقن فنّ إدارة الانهيار بدل معالجته. وفي ذروة هذا المشهد، قررت الحكومة أن تختم العام بما يشبه "الإنجاز التشريعي" عبر إقرار مشروع قانون الفجوة المالية. قرار انتظرته البلاد سنوات، لا لأنه يحمل حلًا، بل لأنه يؤطّر الخسارة ضمن نص قانوني أنيق.

الفجوة التي كانت واقعًا صامتًا صارت فجوة مُقنّنة. الخسارة التي كانت فضيحة صارت بندًا. والودائع التي لم تعد وديعة أُعيد تعريفها كحقوق مؤجّلة، مشروطة، وموزّعة زمنيًا. هكذا، لا تُستعاد الأموال، بل يُعاد تعريف معناها. في لبنان، لا يُعلَن الإفلاس، بل يُدار. ولا يُسمّى الخطأ خطأ، بل يُصاغ كمخرج واقعي.

هنا، يبدو جورج أورويل أقلّ خيالًا مما نظن، فكما في رواياته، الكلمات في لبنان لا تعني ما تعنيه، والواقع يُعاد تشكيله يوميًا حسب مصالح السلطة. الوديعة ليست وديعة، والإنقاذ ليس إنقاذًا، والحقيقة مسألة تقنية قابلة للتأويل. السؤال عن المال يتحوّل إلى سؤال فلسفي: هل ما لا يمكن سحبه ما زال موجودًا؟ وهل الحق الذي لا يمكن المطالبة به ما زال حقًا؟ قانون الفجوة المالية لا يجيب عن هذه الأسئلة، بل ينظّمها، ويحوّلها إلى مادة تفاوض بين الدولة ونفسها.

وهكذا، يودّع لبنان 2025 وقد حقّق إنجازًا نادرًا: صار نموذجًا شاملًا للفشل المُدار. دولة لم تنهَر بالكامل، ولم تتعافَ جزئيًا، بل استقرّت في المنطقة الرمادية، حيث كل شيء معلّق، قابل للتأجيل، وصالح للدراسة. لبنان اليوم لا يُقاس بمؤشرات النمو، بل بعدد الأبحاث التي تُكتب عنه، وعدد الجامعات التي تستخدمه مثالًا تحذيريًا.

ومع ذلك، ونحن نقف على عتبة 2026، لا يعود السؤال ماذا نريد، بل هل ما زلنا نملك ترف الاختيار. إن كانت هناك أمنية تستحق أن تُقال، فهي أن تكون السنة المقبلة بداية استعادة الدولة بوصفها دولة: مؤسسات تعمل، قانون يُطبَّق، قرار يُتَّخذ، وعدالة لا تنتظر توافقًا سياسيًا. نريد 2026 بحجم وطن، لا بحجم تسوية.

أما إذا كان قدرنا أن نستمر مادة امتحان، فليكن على الأقل امتحانًا صعبًا، لا درسًا مكرّرًا. وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال اللبناني الأبدي، الذي يصلح ليكون عنوان مرحلة كاملة، لا خاتمة مقال فقط:  بالنسبة لـ2026… شو؟

أستاذة جامعية