إن القيم المشتركة التي تطغى في بحوث ولقاءات حول العلاقات الإسلامية المسيحية هي مهمة في ما يتعلق بالتواصل والعلاقات اليومية بين الأفراد والجماعات. لكن القيم المشتركة في العلاقات بين الأفراد لا تحقق السلام الاجتماعي والاستقرار والسلم الأهلي الثابت إذا افتقرت إلى مقاربة الخير العام المشترك espace public في المجال العام. في هذا المجال تتداخل عوامل تتخطى العلاقات بين الأفراد والصراعات على السلطة ونفوذ ومصالح جماعات وأحزاب وقوى داخلية وخارجية.
إن علاقات صلبة بين الأفراد في الصداقة والتواصل والحياة اليومية، كما في لبنان اليوم، هي عنصر جوهري ولكنها تصاب غالبًا بالاضطراب والتنافر والنزاع عندما تتداخل عوامل أخرى في المجال العام المشترك. تكمن الحماية المستقرة، بدون اضطرابات ظرفية في الحياة العامة، في مدى احترام الأفراد لقواعد وموجبات العقد الاجتماعي التأسيسي ومركزية الدولة والقانون الناظم للحياة العامة.
1. مقاربة المجال العام وضمان الحقوق: افتقر غالبًا في الماضي الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان وفي المجتمعات العربية عامةً، إلى مقاربة المجال العام المشترك والقواعد الناظمة لهذا المجال العام وأسباب اضطراباته وإيجابيات اختباراته في التراث التنظيمي المشترك. تحدث شيخ عقل الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى حول عقد قمة روحية إسلامية مسيحية "من نوع آخر" حيث يتم إصدار وثيقة لا تقتصر على ثوابت وعموميات وممارسات معروفة، بل تشمل قواعد ناظمة هي عرضة لخروقات واضطرابات وسجالات نزاعية ظرفية في ما يتعلق بالمواثيق والمصلحة العامة وثقافة الدولة والشروط المؤسساتية والثقافية للبنان الرسالة والضرورة والدور اللبناني والعربي والعالمي. على سبيل المثال، تظهر في لبنان ممارسات في التعطيل ومطالبة شعبوية في "حقوق طوائف" وممارسات هي خروج عن الشراكة الوطنية، أو تتعمّم سجالات تكرارية وخطاب سوق وكأن لبنان وطن قيد التأسيس وليس كيانًا قائمًا.
إن البنيات الذهنية في الحياة العامة في لبنان هي معرّضة إلى اضطرابات بالرغم من المعاناة والاختبار ونقيض لتراث آباء مؤسسين من كل الطوائف أمثال: كاظم الصلح، يوسف السودا، رياض الصلح، بشاره الخوري، ميشال شيحا، هنري فرعون، كمال جنبلاط، بيار الجميل، بشير الجميل، شارل مالك، الإمام موسى الصدر، الإمام محمد مهدي شمس الدين، هاني فحص...
أطلقت بيانات رائدة مسيحية إسلامية منذ 2017 مبادئ حول المواطنية والعيش معًا والأخوة الإنسانية، ولكن بدون الولوج في مضامين هذه المواطنية بالذات البانية للدولة ودولة المواطنية. تتغلب العلاقات الصلبة بين الأفراد في لبنان، كما في سنوات حروب 1975-1990، على مجمل الاضطرابات والمتاريس والمعابر. لكن العلاقات بين الأفراد لا تبني دولة في حال عدم توفر أمان نفسي وثقافة دولة واجراءات دستورية ثابتة في العيش معًا.
2. الملكية المشتركة في بناء سكني: يمكن استخلاص ذلك من ملكية بناء مشترك من ثماني شقق سكنية. أحد القاطنين في شقة قد يكون انعزاليًا وبيتوتيًا ولا يتعاطى مع أحد، ولكنه يشارك في اجتماعات لجنة البناء ويتقيّد بنظام الملكية المشتركة ويُساهم في الأعباء المشتركة. ما هي غالبًا سلوكياتنا لبنانيًا وعربيًا؟ نريد العمل على انصهار هذا البيتوتي والانعزالي ونتهجّم عليه في سبيل تغيير ذهنيته! أنه سوف يتغيّر حتمًا في سلوكياته في هذا البناء المشترك حيث لا نزاعات وتقيّد بالعقد الاجتماعي وفي واقع معيشي بالغ الرقي.
الحاجة طبعًا إلى الاستمرار في حوارات إسلامية مسيحية مشتركة في ما يتعلق بالتواصل والقيم والأهداف، ولكن مع التركيز على ثقافة الدولة وانطلاقًا من التراث الدستوري الإسلامي والعربي بالذات وطوال قرون في الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية.
3. الإسلام المسلم: يُشكل الكرسي البابوي في الفاتيكان مرجعية في الإيمان في حين تنتشر في مجتمعات عربية أيديولوجيات سياسية نزاعية ذات لباس ديني ولا علاقة لها بالإيمان والأديان! يقول محمد السماك: "المهم أن نعرف ماذا نريد أن نحقق من حواراتنا ونتجه في حياتنا الإسلامية - المسيحية المشتركة؟ تمر العلاقات الإسلامية المسيحية في فترة حرجة جدًا. لم تجابه (تيارات إقصائية) بموجة إسلامية معاكسة تتصدى لها قوةٌ فكريًا وعمليًا ("المفاهيم الخاطئة في العلاقات الإسلامية المسيحية"، المقاصد، دراسات في العلوم الإسلامية، عدد خاص، 19، خريف - شتاء 2025-2026، ص 41-56).
***
بعد تراجع أيديولوجيات الماضي في الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية... تتحوّل أديان إلى أيديولوجيات في التعبئة السياسية النزاعية. الصهيونية هي أساسًا أيديولوجيا سياسية في لباس ديني. مطلوب بعد اليوم دراسة الأديولوجيات الدينية politologie de la religion بمنهجية خاصة، سياسية وليس دينية اطلاقًا. على نمط المؤسسة البابوية والفاتيكان من هي المرجعية الإسلامية في عالم اليوم التي تتمتع بشرعية اجتماعية قصوى في سبيل التصدي لتيارات وتنظيمات لا علاقة لها أساسًا بالله والإيمان والأديان؟
كرسي اليونسكو في جامعة القديس يوسف في بيروت