"تاريخ الموّال السُّباعي في الشام وتراجم ناظميه الأوائل" لرامي عفاكي

7 دقائق للقراءة

يقدّم كتاب "تاريخ الموّال السُّباعي في الشام وتراجم ناظميه الأوائل" لرامي عفّاكي، خلاصة مشروع بحثيّ امتدّ منذ منتصف التسعينات، سعى إلى توثيق نشأة الموّال السُّباعي النُعماني السّوري، المعروف في العراق بِـ "الزهيري". يتتبّع الكتاب انتقال هذا الفن من العراق إلى ولاية الشام في أواخر القرن الثامن عشر، ويرصد انطلاق نظمِه في عدد من المدن السّورية. كما يستعيد سِيَر ناظمين سوريّين وعراقيّين، بعضهم غيّبهم الإهمال، وينشر أعمالًا شعرية مجهولة. ثمّ يعيد المؤلِّف قراءة سيرة أمين الجندي الحمصي، مبرِزًا دوره التأسيسي في ولادة المدرسة السّورية للموّال السُّباعي. "نداء الوطن" تنشر فصلًا من هذا الكتاب الصادر عن "دار سائر المشرق"، بعنوان: "الناظم أمين الجندي الحمصي".

وُلد أمين بن خالد آغا الجندي عام 1766م. في مدينة حمص من أسرة تعودُ أصولها لمدينة معرّة النُعمان السّورية، ويعودُ نَسَبُها الشريف للعبّاس بن عبد المطلب عمّ الرّسول ﷺ. ارتبطت أسرته بعلاقات وثيقة بآل العظم، الذين تولَّوا ابتداءً من عشرينات القرن الثامن عشر مناصب حكومية رفيعة في الدّولة العثمانية، وتسلَّم عددٌ من رجالها ولاية الشام لمدّة قارَبَت ثمانين عامًا، ما مَنحَ آل الجندي، لارتباطهم بآل العظم من ناحية، ولكفاءة رجالهم من ناحية أخرى، عددًا من الامتيازات مكَّنتهم من تسلُّمِ مناصب ومسؤوليّات حكومية عادت عليهم بالنفع والفائدة.

لقد نشأ الفتى أمين في أُسرة جَمعت بين الدِّين والسّياسة والأدب، فقد كان عَمّه عبد الرَّزاق آغا الجندي شاعرًا، وله مجلس أدبيٌّ يحضره باستمرار الشاعر عثمان المعرّاوي الشهير بالبَصير.

تَفتَحت موهبة الشعر عند أمين، في مناخ شعري أتاحَ له فرصة دخول هذا الميدان في فترة مبكّرة من حياته، وأكسَبه معرفة أوّلية بأوزان الشعر العمودي وبحوره. إذ أغنت أشعار عمّه وقصائده، إضافة إلى مُسَوَّدات سجالاتِه الشعرية مع شعراء عصره، مخيّلة الجندي وموهبته الشعرية، وعَوَّضته عن رحيل عَمّه عبد الرَّزاق، الذي ترك جرحًا عميقًا في نفسه.

بقيت مرحلة الطفولة والمراهقة التي أمضاها أمين في حمص غامضة ومجهولة، جلّ ما عرفناه عن حياته في تلك المرحلة، قُربه من قرّاء حمص وحفّاظ الحديث فيها، مَيله منذ صباه للعلوم الدينية والفقهية. ففي قصيدة مطلعها (ما حيلَتي والنائباتُ عُوّادي، والمزعِجاتُ روائِح وغوادي)، نظمَها في حمص عقب عزل صديقه الشيخ عبد الستار أفندي الأتاسي عن منصب الإفتاء، أشار بإيجاز إلى بعض شيوخ حمص من القرّاء وحفّاظ الحديث والمتصوّفين ممّن عهدهم في صباه، كالشيخ عبد الحميد خطيب الجامع الكبير بحمص، والشيخ الطيبي المتصوِّف، والشيخ الحموي العابد الزاهد.

عاش الشاب أمين في كنف وحجر والده خالد آغا، الذي تسلَّمَ حاكمية قلعة تلبيسة خلفًا لأخيه عبد الرَّزاق من سنة 1775م. حتى سنة 1786 م. على أقلّ تقدير. فقد ذكر المرادي في كتابه "سلك الدُّرَر" ما جرى من أحداث عَقِبَ مقتل عبد الرَّزاق آغا الجندي، فقال ما نصّه: "وبعد وفاته (عبد الرَّزاق آغا)، أخذ الحكومة أحد أركان الدولة مسعود بك نجل الوزير الصدر السابق سعيد باشا، ولم يتمكَّن من ضبطها (قلعة تلبيسة)، ثمّ بعد ذلك وُجّهَت لأولاد المترجَم (له) وبعده جاؤوا إلى دمشق، وفرغوها لأخي المترجَم (خالد آغا)، وهو الآن حاكمُ تلك القلعة".

عَرفَ الجندي الحمصي دون شكّ، قالب الموّال الرُّباعي مُذ كانَ في رَيعان الصّبا، ونَظمَ أيّام الفتوّة والشباب التي أمضاها في حمص، عددًا من المواويل الرُّباعية، شأنه في ذلك شأن كثير من شعراء وزجَّالي عصره. لكن باكورة مواويله الرُّباعية ضاعت مع ما ضاع من شعره وأعماله المبكِّرة، فلم يَصلنا منها شيء. أقدم مواويله الرُّباعية الذي أمكننا اكتشافه نُظِم بين عامَي 1793 - 1802 م.، في الفترة التي كان فيها شاعرنا تلميذًا في دمشق يدرس علوم الفقه والحديث.

كان الموّال الرُّباعي شائعًا في بلاد الشام في القرن الثامن عشر وله ناظمون كُثر، أمّا الموّال الخُماسي البَصراوي، ويُسمِّيه البعض (الموّال المصري)، فقد أُعيدَ إحياؤه في منتصف القرن الثامن عَشر بين قلّة من الناظمين والشعراء، بالتزامن مع انتشار تيّار تخميس قصائد الشعر العَمودي التي نشطَت آنذاك في العراق والشام. لكن رغم شيوعه في مصر، لم يَلقَ الموّال الخُماسي آنذاك اهتمامًا مُماثِلًا من ناظمي الموّال وشعراء بلاد الشام. لذا تبقى مسألة إثبات أو نفي معرفة أمين في فترة الشباب التي عاشها في حمص، بقالب الموّال الخماسي، معلّقة يَصعُب في الوقت الحاضر البت فيها، خاصّةً أن منظوماته القديمة، لم يبقَ منها كما أسلفنا، أثر يُمكن تتبُّعه وتعقُبه. مع انتقال أمين من حمص إلى دمشق للدراسة في عام 1793م.، بات بمقدورنا إثبات معرفة الجندي بالموّال الخُماسي وتأكيدها. ففي مخطوط جمع فيه صديقه يوسف الرّاوي البغدادي، مجموعات متنوّعة من المواويل، وجدنا دليلًا يُثبت أن الجندي نظم الموّال الخُماسي أواخر سنوات دراسته في دمشق. فلِشاعرنا مجموعة مواويل خُماسية مجهولة غير المؤرّخة، نظمها بين عامَي 1793 - 1802م.، واحد منها فقط أمكننا تحديد تاريخه، نظمَه أمين مخاطِبًا صديقه يوسف الرّاوي عام 1801 م.، بعد عودته إلى دمشق من الحملة العسكرية التي شارك فيها لإخراج الفرنسيّين من مصر.

التقى الجندي في مدينة دمشق بعدد من ناظمي الموّال ممّن أقاموا في تلك الفترة في المدينة، أمثال الناظِم محمّد البكري المصري الذي هاجر من مصر إلى دمشق وعمل فيها كحارس ليلي في أحد أسواقها القديمة، وشاكر العلبي الطّرابلسي تلميذ الشيخ عمر اليافي البكري في دمشق، والناظِم أحمد الرَّباط الحلبي أحد أشهر الزجّالين الحلبيّين وأحد هواة جمع المواويل والمنظومات الشعبية بمختلف أجناسها، والناظم يوسف الرّاوي البغدادي الذي هرب من بغداد وأقام في دمشق تحت رعاية آل الكيلاني في سورية، وغيرهم. بعض أولئك الناظمين كان قد حصل على مجموعات متنوّعة من المواويل الرُّباعية والخُماسية والسُّباعية العراقية المبكّرة التي وصلت من بغداد في العقدَين الأخيرَين من القرن الثامن عَشر، ونسخَها في كراريسه.

في عام 1798م. بدأت الحملة العسكرية الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر، فاستنفَرَت السّلطات العثمانية وبدأت بإرسال تعزيزات عسكرية لمقاومة الاحتلال الفرنسي ولطرد الغزاة من مصر. فطلبَت تعزيزات عسكرية وحربية من والي حلب وقتئذ ابراهيم باشا قطر أغاسي، ومن والي الشام عبد الله باشا العظم الذي أرسل مباشرة قوّة عسكرية لمتسلّم القدس لحمايتها. كما أُمِرَ الجزار، والي عكّا، بتعزيز دفاعات وتحصينات القلعة لمنع أيّة محاولة فرنسية للتوسّع شرقًا باتجاه بلاد الشام. وعَيَّنت الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا قائدًا عامًا للجيوش العثمانية المكلَّفة بمحاربة الفرنسيّين وإخراجهم من مصر. فلمّا غَلبَ الفرنسيّون واحتلّوا مصر، وحاصروا عكّا، ثمّ وصلت جيوشهم سنة 1799م. إلى صفد ونابلس، دعا الشيخ أحمد العطّار الناس للجهاد ضدّ الفرنسيّين، وخرجَ مجاهدًا بنفسه وماله مع أهالي الشام. فلبَّى الجندي نداء شيخه العطّار، وانضمَّ للحملة العسكرية البحرية التي توجَّهت لِفكّ الحصار عن المدينة.

بعد عودة أمين إلى دمشق، من الحملة العسكرية التي قادتها السلطنة العثمانية لتحرير مصر من الفرنسيّين، سَنحَت له فرصة الاطّلاع على مجموعات من المواويل السُّباعية النُعمانية العراقية التي جمعها صديقه السيّد يوسف الرّاوي البغدادي، فاستحسَنها ونظم على شاكلتها في مناسبات متفرّقة، عددًا من المواويل السُّباعية التي شكّلَت لاحقًا باكورة المواويل السُّباعية الشامية السّورية.

لقد أسهم أمين الجندي في نشر الموّال السُّباعي النُعماني السّوري في طرابلس، عكّار، دمشق، حماة، وحمص، ولربّما وصلت بعض مواويله السُّباعية النُعمانية لمدن أخرى في بلاد الشام.


غلاف الكتاب