الياس دمّر

بريجيت باردو التي رفضت أن تبقى مُجرَّد صورة... رحيل امرأة أغوت العالم

4 دقائق للقراءة

صباح "اليوم العالمي للسّينما" وفي ذكرى 130 عامًا على ولادة "الفن السّابع"، خيّم على المشهد الثقافي والفني خبر رحيل واحدة من أبرز أيقونات السّينما الفرنسيّة والعالميّة: بريجيت باردو، عن عمرٍ ناهز 91 عامًا. في لحظةٍ كهذه، يُصبح الحديث عن باردو أكثر من مُجرَّد استذكار لنجمة سينمائيّة رحلت. إنه تأمُّل في ذاكرة هذا الفن وتاريخ تصوير الجسد والأنوثة والتقاطع بين السّينما والثقافة الشعبيّة، بين التمثيل والتمثل الاجتماعي. رحيلها في يوم مكرّس للاحتفاء بالسّينما يطرح سؤالاً مركزيًا: كيف يُمكن لفنان أن يعكس روح عصره ويظلَّ شاهدًا على تحوّلات المُجتمع، حتى بعد مغادرته الشاشة بسنوات طويلة؟

اندفعت بريجيت باردو نحو المجد السّينمائي بعد أدائها في فيلم "Et Dieu... créa la femme" سنة 1956 للمُخرج روجيه فاديم، والذي جعل منها رمزًا للتحرّر الجنسي وإعادة تشكيل صورة المرأة على الشاشة. أشعلت شخصيتها الحسّية والمتمرّدة، روحيّة ثقافة ما بعد "الحرب العالميّة الثانية"، وأصبحت مُعبّرة عن ولادة روح سينمائيّة ثائرة، تتخطّى القواعد القديمة وتُبشر بعصرٍ من التجريب والحريّة.

من منظورٍ نقديّ، لا يمكن فصل إرث باردو عن تأثيرها على تمثيل الجسد الأنثوي. ففي زمن كانت فيه السينما لا تزال مُتردّدة في تقديم صورة امرأة متحرّرة ومستقلّة، قدّمت النجمة الفرنسيّة جسدًا وصورةً متحرّرة، تنجح تارة وتستفز المجتمع تارةً أخرى. هذا الجسد الذي حرّك الخيال الجماعي لم يكن مُجرّد أداةٍ بصريّة، بل كان لغة احتجاج تمثيليّة، وإعلانًا عن أنوثة لا تقيّدها الأعراف التقليديّة. وقد شكّل ظهورها على الشاشة في "Et Dieu... créa la femme"، نقطة انطلاق لمرحلةٍ جديدةٍ في السّينما الأوروبيّة والعالميّة، مرحلة يتقاطع فيها الجمال والسّياسة والهويّة في بوتقةٍ واحدة.

لكن مقارنة إرث باردو بالمعايير النقديّة المعاصرة تُظهر طبقات متعدّدة من التعقيد. فبينما احتفت بها أجيال باعتبارها رمزًا للتحرّر، كان من الصعب تجاهل التناقضات التي صاحبَت حياتها ومسيرتها بعد اعتزالها التمثيل سنة 1973. فرحيلها عن الشاشة لم يكن انسحابًا سلبيًا، بقدر ما كان تصعيدًا لقناعاتها الشخصيّة، حيث كرّست جزءًا كبيرًا من حياتها للدفاع عن حقوق الحيوان وإطلاق مؤسّستها الخاصّة عام 1986، مُجسّدة بذلك وجهًا آخر من شخصيّة عامّة تنطلق من الحس الإنساني الذي تجاوز حدود الفن إلى العمل المُباشر.

يبقى تقييم إرث باردو مُعقدًا... بالرّغم من تأثيرها السّينمائي والثقافي، فقد ترافقت سنواتها الأخيرة مع جدلٍ واسعٍ حول مواقف سياسيّة واجتماعيّة أثارت انتقادات حادّة، خاصّةً بشأن تصريحاتها حول قضايا الهجرة والدِّين، ما أدّى إلى عدة إدانات قانونيّة بحقها في فرنسا بتهم التحريض على الكراهية. هذا الجانب من شخصيتها يُذكِّرنا بأن "الأيقونات" ليست مُجرّد صور جميلة على الشاشة، بل هي بشر ينعكسون في أفكارهم وأفعالهم لصالح المجتمع أحيانًا، وأحيانًا أخرى بطابع مثير للانقسام.

من زاوية سينمائيّة خالصة، يبقى تأثير باردو في تاريخ الفيلم واضحًا ومستدامًا. فقد أثرت في مجموعة من المخرجين والممثلين، وألهمت موجات جديدة من تصوير الأنوثة والتحرّر في السّينما الأوروبيّة والعالميّة، حيث كان حضورها على الشاشة تجسيدًا للثورة البصريّة التي أعقبت "الحرب العالمية الثانية". كما أن انسحابها المُبكر من عالم التمثيل في ذروة شهرتها أضاف بُعدًا أسطوريًا لشخصيّتها، حال دون أن يتحوّل حضورها إلى روتين مُضمحِلّ في ذاكرة الجماهير. وبينما نحتفل بيوم السّينما و130 عامًا على ولادتها الرسميّة كَفن، لا يُمكن إلا أن نُدرك بأن بريجيت باردو ستبقى علامة فارقة في تاريخ السّينما. رحيلها يُذكّرنا بأن السّينما ليست مجرّد صُور وحكايات، بل هي سجلّ اجتماعي وثقافي يعكس تطلّعات وتناقضات الإنسان عبر العصور. وهكذا، تبقى الممثلة الراحلة جزءًا من هذا السجلّ، ليس فقط بأدوارها بل بوجودها المُثير للجدل، المُتحرّر والمُتمرّد... وداعًا "BB" الثائرة!