أين يعيش نوّاب حزب الله؟
سؤال يُطرح، ليس من باب شدّ الحبال السياسي، بل من منطلق بديهيّ بحت.
عامٌ جديد ينقضي، واللغة نفسها، بل تزداد اشتداداً وتعنّتاً، فلا تتماهى البتة مع أي متغيّرات، ولا مع حقائق، ولا حتّى مع واقع حالٍ يتخبّط فيه جمهور عريض منكوب، ودولة مشلّعة القرار والدور.
يعترض عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فياض على "الدعوات القائلة بالانتقال إلى المرحلة الثانية"، ويعتبر أنّ ذلك "يُشكّل خطراً تفاوضياً وسياسياً مدمّراً، ولا يؤمّن أي أرضية توازن مع العدو أو تحقيقاً للأهداف اللبنانية، فضلاً عمّا يُثيره من تعقيدات وحساسيات داخلية تُهدّد وحدة اللبنانيين".
فهل يُدرك النائب فياض أنّ احتكار الدولة للسلاح على كامل الأراضي اللبنانية هو الهدف اللبناني الأسمى، والمرتبط ارتباطاً وثيقاً بدستور الدولة وقراراتها؟ وهل يعلم أنّ حزب الله يُعرقل هذا الهدف منذ عقود حتى يومنا هذا؟ وهل يُدرك هو ومَن يشاركه الرأي أنّ التعقيدات والحساسيات الداخلية نشأت منذ أن قرّر حزبه المسلّح مصادرة قرار السلطة التنفيذية في لبنان، وجرّ الدولة وشعبها إلى حروب ومعارك تدميرية؟
إنّ الخطر الوحيد الذي يُهدّد اللبنانيين، وأبناء بيئة حزب الله على وجه التحديد، هو مكابرة هذه الذراع الإيرانية أمام كل الوقائع، والإصرار على سوق الجميع نحو الهلاك المحتّم.
أمّا زميل فياض في الكتلة نفسها، النائب حسين الحاج حسن، فيبدو كأنّه في موقع الوالي أو المرشد أو الحاكم بأمره، فتسمعه يقول: "افعلوا ما تستطيعون من أجل السيادة اللبنانية، ومن أجل وقف العدوان، ثم تعالوا لمناقشة استراتيجية أمن وطني ودفاع وطني، لنرى فيها كيف ندافع عن لبنان لكي لا يتحوّل إلى خاضع ومستسلم أمام العدو".
فهل يعلم النائب الحاج حسن أنّ ما جرّه حزبه على لبنان لا يُخوّله إطلاقاً إلقاء المواعظ عن السيادة والدفاع والاستراتيجيات، لا سيّما بعد سقوط كل سرديات توازن الردع والدفاع، وبعد فشل حزب الله في حماية الحدود والجنوب، وكافّة مقرّاته، ومجمل قياداته وكوادره وجمهوره؟
إنّ الاستراتيجية الوطنية الوحيدة هي تطبيق الدستور اللبناني وقرارات الحكومة في 5 و7 آب، والقرارات الدولية 1701 و1680 و1559، واتفاق 27 تشرين الثاني، عبر تسليم سلاح حزب الله وكل سلاح ميليشياوي إلى الدولة، لتكون وحدها الجهة المسلحة والمخوّلة الدفاع عن لبنان.
أمّا الحديث عن الخضوع والاستسلام، فحدّث ولا حرج عمّن قبل باتفاق مع "العدوّ" يُعلن فيه تخلّيه عن سلاحه في كل لبنان، ثم عاد بخطاب انقلابي على مضمونه.
أمّا بعد، فيخرج النائب إيهاب حمادة، من الكتلة نفسها، للحديث عن أنّ "المقاومة جاهزة، وستكون حاضرة في الميدان فور ارتكاب العدو أي حماقة".
فعلى مَن يظنّ النائب حمادة أنّه يمرّر هذا الكلام الهزلي؟ أين كانت هذه الجهوزية عندما استهدفت إسرائيل قيادات الصف الأول في حزب الله، وفي مقدّمتهم أمينان عامّان؟ وأين هي اليوم؟ وعن أي "حماقة" يتحدّث؟
ألا يرى العمليات الإسرائيلية اليومية بحقّ البنية العسكرية والأمنية لـ"الحزب"؟ ما الذي ينتظره أكثر؟ وما نفع هذا الكلام، غير التسويق الشعبوي الذي لم يعد يمرّ حتّى على أقرب المقرّبين، ومواقع التواصل الاجتماعي تشهد؟
إنّ الخطابات العجيبة والسرديات المنتمية إلى كوكبٍ آخر باتت ملاصقة للغة حزب الله، وملتصقة بكل مقارباته. وقد حان الوقت، بعد عام من المكابرة الجوفاء، سبقه عام من الانهيار المدجّج بالفشل، أن يتخلّى حزب الله وكل الناطقين باسمه عن احتكار تعابير وألفاظ ونهجٍ خطابي سقط في الميدان: من الدفاع عن السيادة، إلى التصدّي للعدوان، وصولاً إلى حماية اللبنانيين.
كما حان الوقت للتوقّف عن استخدام ازدواجية فاقعة، من مجاهرة أمينه العام الحالي، الشيخ نعيم قاسم، ببناء الدولة، فيما لا يفعل سوى الهتك بها وبدستورها وبجميع قراراتها، والخروج لشيطنة الحكومة توازيًا مع البقاء في صفوفها، إضافةً إلى ادّعاء الحرص على إعادة الإعمار وإرجاع الجنوبيين إلى قراهم، مقابل رفض الامتثال لأبسط شروط استعادة الاستقرار وجذب الاستثمارات والتمويل.
لم يكن حزب الله في حربه العبثية المُسمّاة "أولي البأس" إلّا كيانًا منفصلًا عن بيئته، غير آبهٍ بمصيرها، إذ ذهب إلى فتح معركة إسناد بالية واستدرج حربًا غير متكافئة، من دون أن يُفكّر بأبسط قواعد الإيواء والحماية لناسه. وها هو اليوم يواصل "الترغلة" من كوكبه، ويتحدّى و"يقدّ المراجل"، فيما ناسه وكوادره وكلّ حزبه في انهيار تلو انهيار. فهل ينتقل أولياء هذه المنظّمة غير الشرعية وغير الدستورية إلى الأرض، ويتنقّلون بين البلدات مع مطلع عام 2026، لمعاينة الناس وسماع أوجاعها وهمومها؟ وهل يُديرون آذانهم لأصوات ناسهم، عوض إبقائها متّجهة نحو والي طهران؟ وهل يُدركون أنّ حدود المشروع اللبناني لن تتبدّل مهما حاولوا تكبير حجر أوهامهم وارتباطاتهم؟
قد لا ينتقل حزب الله إلى مرحلة الوعي لأنّه يفتقد إلى ثقافة الواقعية، لكن حتمًا على الدولة أن ترمي عليه مياهًا باردةً مُستقاة من الدستور، وإلّا سيمرّ عام آخر من "العَنطَزَة" التخريبية، التي لن ترحم لا شعبًا، ولا مؤسّسة، ولا جمهورية.