الدكتور سايد حرقص

اللبنانيون ينتظرون الغيب… بعدما خذلهم الواقع

3 دقائق للقراءة

مع اقتراب نهاية كل عام، تدخل محطات التلفزة اللبنانية سباقًا محمومًا لاستضافة المنجّمين والترويج لتوقّعاتهم، في مشهدٍ لا يمكن قراءته بوصفه ترفيهًا عابرًا، بل كدليلٍ مقلق على مستوى الانهيار الثقافي والسياسي الذي بلغه البلد.

لم تعد متابعة توقّعات المنجّمين ظاهرة موسمية بريئة، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس حالة ضياعٍ جماعي، وانسدادًا شبه كامل في الأفقين السياسي والاقتصادي، وفقدانًا عميقًا للثقة بالمؤسسات الرسمية. فعندما تغيب الدولة، يحضر الغيب. وعندما تعجز السياسة عن إنتاج أي أملٍ واقعي، يتحوّل التنجيم إلى بديلٍ نفسي عن التخطيط، بل وعن العقل نفسه.

في بلدٍ يُفترض أن تُدار شؤونه بالدستور والقانون والبرامج الاقتصادية، بات اللبنانيون يطرحون أسئلتهم المصيرية بلغة الأبراج: هل سيحصل انفراج هذا العام؟ هل نحن أمام حرب أم تسوية؟ هل يزداد الانهيار أم يبدأ التعافي؟ وهي أسئلة مشروعة في ذاتها، لكن خطورتها تكمن في الجهة التي تُوجَّه إليها. فبدل أن تُطرح على خبراء الاقتصاد، ومراكز الأبحاث، وصنّاع القرار، باتت تُلقى على منجّمين يملأون الفراغ السياسي والحكومي والبرلماني بخطابٍ غيبي، يخلط الخوف بالأمل، ويُسكّن القلق من دون أن يعالجه، ويتلاعب بعواطف الناس عبر ألفاظٍ مطّاطة تحتمل مئة تفسير، تاركًا لعقولٍ مُنهكة بالخوف حرية إسقاط المعاني على كلماتٍ غامضة ومُنمّقة ومدروسة بعناية.

اللبناني لا ينتظر المنجّم لأنه يؤمن بدقّة أقواله، بل لأنه فقد أي مرجعية أخرى قابلة للثقة. فالدولة غائبة، وأركانها يتحدثون بلغة تختلف جذريًا عن أفعالهم، والمؤسسات مشلولة ومفككة، والقضاء مُغيَّب، وكل طرفٍ يغنّي على ليلاه. في هذا الفراغ، يصبح المنجّم «صوتًا» يجرؤ على التوقّع، ولو بلا علم أو مسؤولية.

ولعلّ ما نشهده اليوم ليس جديدًا في تاريخ المجتمعات. فقد أشار ابن خلدون، في مقدمته، إلى أنّ المجتمعات حين تدخل طور الانحطاط وتضعف فيها الدولة وتنهار العصبيّة، تميل إلى الخرافة والتعلّق بالغيب، ويكثر فيها الدجّالون والمنجّمون، لأن الناس يبحثون عن الطمأنينة في ما هو خارج الواقع. فالتنجيم، بحسب هذا المنطق، ليس سبب الأزمة، بل أحد أعراضها.

فالمجتمعات لا تلجأ إلى الغيب حين تكون مستقرة ومزدهرة، بل عندما تشعر أن مستقبلها يُدار خارج إرادتها. والتنجيم، في الحالة اللبنانية، ليس خرافة فقط، بل محاولة يائسة لفهم المجهول في زمنٍ صار فيه كل شيء غامضًا.

الأخطر من ذلك أن الاعتياد على انتظار «ما سيحدث» بدل العمل على «ما يجب أن يحدث» يرسّخ ثقافة الاستسلام. فالتنجيم، مهما بدا بريئًا، يُسقط فكرة المسؤولية، ويحوّل المواطن من فاعلٍ إلى متلقٍّ، ومن صاحب حق إلى مجرّد مشاهد ينتظر "المنجم".

كذب المنجّمون ولو صدقت توقّعات بعضهم. لبنان اليوم يحتاج إلى دولةٍ تُنفّذ أقوالها وتُخطّط بجدّية لحلّ مشكلاتها. لا يحتاج إلى قراءة الكف، بل إلى قراءة الدستور. ولا إلى توقّعاتٍ فلكيّة، بل إلى قراراتٍ سياسيّة واقتصاديّة شجاعة، تعيد إلى الناس ثقتهم بأنّ المستقبل يُصنَع ولا يُتنبّأ به.

فحين يعود العقل إلى السياسة، يعود المنجّم إلى مكانه الطبيعي. أمّا اليوم، وفي ظل هذا الضياع، فليس غريبًا أن ينتظر اللبنانيون الغيب… بعدما خذلهم الواقع.