جاد الاخوي

زيارة نتانياهو إلى ترامب: تحالف المصالح وحدود التوسّع

4 دقائق للقراءة

لم تكن زيارة بنيامين نتانياهو إلى دونالد ترامب مجرّد لقاء ثنائي بين حليفين تقليديين، بل عكست في جوهرها لحظة إعادة تعريف للأدوار، وحدود القوة، وطبيعة التوسّع في الشرق الأوسط. ما بدا في الشكل تثبيتًا للتحالف الأميركي–الإسرائيلي، كشف في المضمون تباينًا عميقًا في منطق التوسّع، واختلافًا في أدوات السيطرة، رغم وحدة الهدف النهائي: النفوذ بأقل كلفة ممكنة.

أراد نتانياهو من الزيارة تثبيت الغطاء الأميركي لحربه المفتوحة، وتحصين موقعه الداخلي في ظل أزمات سياسية وقضائية غير مسبوقة. أما ترامب، فتعامل مع اللقاء من زاوية أوسع: إدارة صراع إقليمي شديد الخطورة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة تضرّ بالمصالح الأميركية الاقتصادية والتجارية، في منطقة باتت فيها واشنطن تميل إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر، لا توسيعه.

هنا يبرز الفارق الجوهري بين منطق التوسّع الأميركي ومنطق التوسّع الإسرائيلي. فالولايات المتحدة، تاريخيًا، ليست دولة توسّع جغرافي بالمعنى الكلاسيكي. مشروعها الإمبراطوري قام على الاقتصاد والتجارة والأسواق المفتوحة، لا على ضمّ الأراضي. التوسّع الأميركي يعني السيطرة على طرق الطاقة، سلاسل التوريد، النظام المالي العالمي، وقواعد التجارة، واستخدام القوة العسكرية كأداة ردع أو حماية للمصالح، لا كغاية بحدّ ذاتها. واشنطن لا تحتاج إلى رفع علمها فوق الأرض، طالما أن الاقتصاد يعمل وفق قواعدها.

في المقابل، يقوم المشروع الإسرائيلي على منطق مختلف تمامًا. التوسّع الإسرائيلي أيديولوجي–تاريخي، مرتبط بفكرة الأرض بوصفها عنصر الهوية والبقاء. من «أرض الميعاد» إلى عقيدة الحدود المتحرّكة، ظلّت الجغرافيا في قلب المشروع الصهيوني. لكن هذا المنطق، وإن لم يسقط، تعرّض لتعديل عميق بفعل الوقائع: الاحتلال المباشر للأرض بات مكلفًا، أمنيًا وديموغرافيًا وسياسيًا، ويستجلب عزلة دولية متزايدة.

من هنا، لا يمكن قراءة زيارة نتانياهو إلى ترامب بمعزل عن هذا التحوّل. نتانياهو لا يتخلّى عن حلم التوسّع، لكنه يدرك أن الاحتلال التقليدي لم يعد ممكنًا بالشكل القديم. لذلك، يجري الانتقال إلى صيغة توسّع جديدة: السيطرة من دون ضمّ، والتحكّم من دون إدارة مباشرة.

في هذا السياق، تصبح السيطرة الجوية والتفوّق التكنولوجي حجر الزاوية في المشروع الإسرائيلي الراهن. فالسماء المفتوحة تعني قدرة دائمة على الردع والضرب والتدخل، من دون تحمّل أعباء الاحتلال البرّي. الأرض قد لا تكون محتلة رسميًا، لكنها تبقى مكشوفة، مُراقَبة، وقابلة للإخضاع في أي لحظة. إنها سيادة منقوصة، أو دولة تحت سقف التفوّق الجوي الإسرائيلي.

هذا التحوّل يلتقي، مرحليًا، مع الرؤية الأميركية. فواشنطن لا تمانع تفوّقًا إسرائيليًا يضمن «الاستقرار بالقوة»، طالما أنه لا يجرّها إلى حرب شاملة مع إيران أو إلى فوضى إقليمية تهدّد الأسواق والطاقة والتجارة العالمية. لذلك، بدا ترامب في اللقاء حريصًا على دعم إسرائيل، لكن من دون منحها شيكًا على بياض، وخصوصًا في ما يتعلّق بتوسيع الحرب أو فتح جبهات كبرى.

أما في ملف غزة، فقد عكس اللقاء هذا التباين بوضوح. نتانياهو يطلب وقتًا أطول وحسمًا أوسع، بينما تفضّل واشنطن إدارة الحرب، لا الغرق فيها، والانتقال في مرحلة لاحقة إلى ترتيبات سياسية–أمنية تضمن الهدوء، ولو الهش. الرسالة الأميركية كانت واضحة: الحسم العسكري الكامل غير واقعي، واليوم التالي لا يمكن تجاهله.

وفي ملف إيران، بدا العنوان أكبر من القدرة على الحسم. ترامب أعاد التأكيد على الردع والعقوبات، لا الحرب المفتوحة. نتانياهو خرج مطمئنًا إلى استمرار العداء الأميركي لطهران، لكنه لم يحصل على التزام بضربة مباشرة أو جدول زمني. مرة أخرى، إدارة الصراع لا تفجيره.

ما تكشفه الزيارة، في المحصّلة، هو مرحلة انتقالية في الإقليم:

الولايات المتحدة تُدير توسّعها عبر الاقتصاد والتجارة والنفوذ غير المباشر،

وإسرائيل تُعيد صياغة توسّعها عبر الجو والتكنولوجيا والسيطرة عن بُعد.

التحالف بينهما ثابت، لكن قواعده تتغيّر. لم يعد المطلوب احتلال الأرض، بل إخضاعها. لم يعد رفع العلم شرط السيطرة، بل امتلاك السماء. وفي هذا التحوّل، تكمن خطورة المرحلة المقبلة، خصوصًا على دول مثل لبنان، حيث تُنتهك السيادة الجوية يوميًا، في نموذج حيّ للتوسّع الجديد الذي لا يعترف بالحدود، لكنه لا يحتاج إلى عبورها.

في النهاية، زيارة نتانياهو إلى ترامب لم تُنتج قرارات كبرى، لكنها كشفت حقيقة المرحلة: التوسّع مستمر، لكن بأدوات مختلفة، والتحالف قائم، لكن بلا اندفاع أعمى. إنها سياسة السيطرة بأقل كلفة، في إقليم يعيش على حافة الانفجار، من دون أن يُسمح له بالانفجار الكامل… حتى الآن.