مع هيمنة مواقع التواصل الاجتماعيّ على يومياتنا، لم يعد تأثيرها محصورًا في التواصل فحسب، بل تمدّد ليطول جوانب عدّة من حياتنا، منها تفاصيل الصناعة الموسيقيّة، حيث فرضت ثقافة السرعة، "التقليب المستمرّ" (Scrolling) لمشاهدة محتوى التطبيقات الإلكترونية، الأمر الذي فرض إيقاعًا جديدًا على الأغنية العربية التي تغيّر شكلها ومضمونها ومدّتها، تبعًا لمتطلّبات منصّات مثل "تيك توك" و "يوتيوب" و "إنستغرام" وسواها.
كانت الأغنية قديمًا تُبنى بهدوء: من اختيار المغني الكلمات ومناقشتها مع الشاعر، ثمّ الانتقال إلى تلحينها ووضع المقدّمة واللوازم الموسيقيّة، وتحفيظ الفنان اللّحن، ثمّ إجراء "البروفات" مع الفرقة الموسيقيّة، وسواها من متطلّبات تجهيز الأغنيات التي عاش عدد كبير منها إلى يومنا هذا وانتقل بين أكثر من جيل من المستمعين. هذه التفاصيل باتت اليوم من الماضي، فإلى الإعداد السريع للأغنيات، صار الفنان في زمننا الحالي مطالبًا بخطف انتباه المستمع خلال الثواني الأولى فقط من أيّ عمل غنائي، وإلّا ذابت الأغنية بين قريناتها في زحمة المحتوى المتدفق.
هذا التحوّل لا يعكس فقط تبدّل ذائقة الجمهور، بل أيضًا ضغط السوق والمعايير التسويقية الجديدة التي دفعت نحو الاختصار، وأعادت تشكيل علاقة المستمع بالموسيقى من جذورها.
تطوُّر سببه التسويق
يقول المايسترو إيلي العليا في هذا الشأن، إن "منصّات التواصل الاجتماعي وُجدت للتقريب بين الناس وتسهيل الوصول إلى المعلومات، لكنها للأسف تُستَخدم أحيانًا بشكل غير صحيح، ما يؤثر سلبًا على المجتمع وعلى الموسيقى بطبيعة الحال. إنما مع مرور الوقت بات مستخدِموها أكثر وعيًا، وكأنهم يقومون بعملية "فلترة" طبيعية للموسيقى التي يتلقونها".
يميّز العليا في حديثه مع "نداء الوطن" بين الموسيقى الحيّة والأوركسترالية، فيقول: "لم أرَ أي تأثير سلبي عليها من منصّات التواصل، لأن هذه الموسيقى تحمل حياة خاصة ونكهة فريدة لا تستطيع أيّ منصّة رقميّة محاكاتها، فتظلّ دائمًا متربّعة على عرش الفنون". أمّا بالنسبة للأغنيات القصيرة فالأمر مختلف، بسبب الضغوط التسويقية ووسائل البث الرقمي مثل "يوتيوب". اليوم، نحن مضطرّون لاختصار مقدّماتها الموسيقيّة والدخول مباشرة في الأغنية لجذب المستمع خلال ثوانٍ قصيرة".
يشرح الموسيقيّ وقائد الفرق الموسيقيّة المخضرم، أن "في الماضي، كانت المقدّمة الموسيقيّة للأغنيات أطول وتحتلّ مساحة كبيرة من الأغنية، كما في أعمال مثل "ألف ليلة وليلة"، وكانت قيمتها الفنية كبيرة. ومع ذلك، الاختصار في أيامنا لا يقلّل من القيمة الموسيقيّة للعمل إذا جرى توزيع الأغنية بشكل جيّد. فالموزع والعازف قادران على إبراز مهاراتهما حتى في جملة قصيرة".
ويشير العليا إلى أن "تاريخ الأغنية العربية شهد تطوّرات كبيرة. فالموسيقار محمد عبد الوهاب حافظ على طول الأغنية، بينما قلّص الفنانون اللبنانيون لاحقًا، مثل زكي ناصيف والأخوين الرحباني، مدّة الأغنية من دون أن يُفقدوها قيمتها الفنيّة. لكن اليوم، العولمة و "السوشيال ميديا" جعلتا كلّ شيء متاحًا ومقبولًا، وأصبح من السهل دمج الإيقاعات الغربية مع الأغنية العربية".
يؤكد إيلي العليا أنه ضد اللحاق بالـ "trend" فقط لمجرّد اللحاق به، لأن النجاح الحقيقي يأتي من رسم هوية خاصة للفنان، وليس من تقليد الآخرين وتكرار ما هو موجود. فمواكبة السوق ينبغي أن تكون بالحداثة والشكل لا بالمضمون، كما يقول العليا، الذي يشير إلى تجربته في إعادة تقديم الأعمال الغنائية القديمة للجمهور، بمدّة زمنيّة مختصرة وإعادة توزيع موسيقى تلك الأغنيات. ويقول: "في حفلاتي "The Golden Night" أعتمد صيغة "الميدلي" لإعادة تقديم أغنيات عمرها خمسون أو ستون سنة، والتفاعل الذي ألقاه يسعدني جدًا. كما أدمج دراستي الموسيقية مع خبرتي العملية، لأُخرج أعمالًا جديدة على الساحة الفنية، وأشجّع فكرة تحويل الموسيقى الكلاسيكية بطريقة رقمية حديثة لتصل للجيل الجديد بلغته الخاصة".
الجمهور فقدَ الصبر
الملحّن والموزع والمنتِج الموسيقي هادي شرارة يلفت من جهته في حديث مع "نداء الوطن"، إلى أن "لوسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا "تيك توك"، تأثيرًا كبيرًا على طريقة تفكير المتلقين للموسيقى وكيفية استقبالهم لها". ويشير شرارة إلى أن "اختيار الجمل الموسيقيّة السريعة والقصيرة بهدف جذب المستمعين، أمرٌ أساسيّ، لكوننا نعيش في زمن السرعة حيث تغيّر كلّ شيء وأصبحت للوقت أهمية كبرى". وشرح أن "الأغنية القصيرة تفيد المنتج ماديًا أكثر، من خلال عائدات منصّات البث (Streaming)"، مضيفًا: "بالمختصر المفيد، "السوشيال ميديا" لم تؤثر فقط على مدّة الأغنية، بل على الكلمات واللحن والفكرة العامة أيضًا، والأغنية اليوم ينبغي أن تتماشى مع سرعة الزمن. فمع الـ "scrolling" المستمر، فقدَ الجمهور الصبر الطويل، وإن لم تجذبه الأغنية خلال الثواني القليلة الأولى نخسر المُشاهد، وهذا هو السبب في انتشار الأغاني ذات المدّة الزمنية القصيرة".
شرارة جزم في المقابل أن "الإبداع لا علاقة له بمدّة الأغنية. فالأغنية الجميلة والجمل الموسيقيّة المميزة، تعكس إبداع الملحّن والموزع بصرف النظر عن طول الأغنية أو قصرها. ومع الوقت، قد يعود الجمهور للاستمتاع بالأغاني الطويلة، لكن السوق الحالية تفرض نوعًا من المرونة". ويوضح شرارة أنه يتأقلم دائمًا مع السوق، حيث يستمع للعديد من الأغنيات ويعمل في الموسيقى التجارية التي تصل إلى جمهور واسع.
ويقول أحد أبرز الموزعين الموسيقيّين في لبنان إن "هذا التكيّف انعكس على شكل الأغنية العربية الشرقية عمومًا، حيث أصبحت أكثر تنوّعًا، والهدف يبقى تقديم الموسيقى بطريقة جديدة ومبتكرة"، لافتًا إلى كونه دائم البحث عن مشاريع جديدة: "أبحث عن فكرة جديدة للأغنية التي أوزعها. إذا لم أستطع ابتكار فكرة، لا أتعامل معها. لدي أغنيات ناجحة مع عدد كبير من الفنانين، لأنني أعطي لكلّ فنان لونه الخاص في الأغنية، وقد تأثر العديد من موزعي الموسيقى بأسلوبي وطريقتي في تطوير الموسيقى".
ويختم شرارة كلامه بتأكيد طموحه "أن نستمرّ بالإبداع والتجديد وتوسيع نطاق الموسيقى العربية، لتكون متنوّعة كما هو الحال في الموسيقى الغربية. فقد عملتُ لتكون لدينا موسيقى "بوب"، "ديسكو"، "هاوس"، و "هيب هوب عربي" ضمن ثقافتنا".
الإيقاع العنصر الأبرز
من جهته، يرى الفنان كارلوس أن "كلّ شيء تغيّر وتطوّر كثيرًا اليوم. في الماضي، كان الشعراء يكتبون قصائد بمواضيع مختلفة، سواء عن الحزن أو الغزل أو سواهما، ثم تُلحَّن. وكان الزمن جميلًا، والمؤلِّف والملحّن يؤديان دورًا رئيسيًا في إخراج الأغنية بشكل متكامل، من البداية حتى الخاتمة. أما اليوم، فقد أصبح الإيقاع هو العنصر الأبرز في الأغنية، بينما كانت الكلمة تحظى بأهمية كبرى في السابق. ففي السهرات الغنائية التي أحييها، أعود أحيانًا إلى الأرشيف القديم لإضفاء نكهة خاصة على الأمسية، وقد لاحظت أن الجمهور يتفاعل مع الأغنيات القديمة أكثر من الجديدة، ما يعكس ارتباطه بالموروث الفني".
ويؤكّد كارلوس أن "وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الوسيلة الرئيسية لنشر الأغنيات والترويج لها لدى الجمهور، بصرف النظر عن مدّة الأغنية. فهي عبر هذه المنصّات باتت تصل إلى الجمهور بسهولة، لأن التفاعل يعتمد على المعنى والإحساس، لا على المدّة الزمنية للأغنية".
كارلوس المنشغل دائمًا بالسفر وإحياء الحفلات في لبنان وخارجه"، يلفت من جهته إلى كونه لم يغب عن الساحة الفنية يومًا، "لكنني كنت بعيدًا من وسائل التواصل الاجتماعي، والآن عدت إليها لأنها الوسيلة الأبرز للتواصل مع الجمهور".
إذًا هي حلقة متصلة، بين الشكل والمضمون ومراعاة المتطلّبات التسويقيّة للعصر، تترك كلّها بصمتها على الأغنية المعاصرة. فهل تستمرّ موجة الأغنية القصيرة التي باتت تشبه وجبة الـ "take away"، أم تعود في وقت قريب الأغنية المشبّعة بالكلمة المدروسة واللحن المشغول والأداء المتقن، لتأخذ موقعها وتنتقل من جيل إلى جيل؟ الإجابة برسم الزمن.