شكّلت هجمات السابع من تشرين الأول 2023، وما أعقبها من تحولات إقليمية ودولية، عامل تسريع حاسمًا لاتجاهات ظهرت بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025. فقد أكدت هذه التطورات عودة صريحة إلى منطق الواقعية السياسية الكلاسيكية في إدارة النظام الدولي، حيث تتقدّم اعتبارات القوة والمصلحة على الأيديولوجيا ومشاريع الهندسة السياسية. وبالنسبة للبنانيين، تصبح قراءة هذه التحولات شرطًا أساسيًا لفهم موقعهم وخياراتهم في شرق أوسط يشهد إعادة رسم عميقة لموازين القوى.
تنطلق استراتيجية الأمن القومي الأميركية (NSS) من منطق مزدوج، يجمع بين بعدٍ جيوسياسي كلاسيكي ثابت وتحولات براغماتية فرضتها تجارب العقود الماضية. ففي بعدها الكلاسيكي، ما زالت الاستراتيجية تنظر إلى قلب العالم (Heartland) في "أوراسيا" بوصفه محور التوازن الدولي، وتُبقي تركيزها الأساسي على حدوده الشرقية والغربية. على الحافة الشرقية، يتمثل هذا التوجه في سياسات احتواء الصين (containment) عبر شبكات تحالفات عسكرية واقتصادية في المحيطين الهندي والهادئ، فيما تستمر أوروبا، على الحافة الغربية، في لعب دور الركيزة الاستراتيجية من خلال حلف شمال الأطلسي، بما يمنع أي قوة منافسة من اختراق المجال الأوروبي المتاخم لقلب أوراسيا. ويعكس هذا التوجه استمرار التفكير الجيوسياسي التقليدي بوصفه الإطار الناظم للصراع بين القوى الكبرى.
في المقابل، تُظهر الاستراتيجية الأميركية تحولات واضحة مقارنة بالعقود الماضية، ولا سيما في النصف الغربي للكرة الأرضية والشرق الأوسط. ففي الغرب، يُعاد التأكيد على "مبدأ مونرو" (Monroe Doctrine)، حيث تُعامل القارة الأميركية بوصفها مجالًا حيويًا مغلقًا أمام المنافسين الدوليين، مع استعداد متزايد لاستخدام أدوات الضغط الصلبة لحمايته. أما الشرق الأوسط، فلم يعد يُنظر إليه باعتباره مركز ثقل استراتيجيًا كما كان في السابق، بل كساحة يجب إدارتها وضبط اختلالاتها ومنع انفجارها بأقل كلفة ممكنة. وضمن هذا التحول، ترفض الـ NSS الانخراط في "الحروب الأبدية" أو مشاريع إعادة بناء الدول، وتفضل الاعتماد على قوى إقليمية حليفة، وفي مقدّمها إسرائيل والمملكة العربية السعودية وتركيا، لإدارة التوازنات، في انسجام مع مقاربة انتقائية وبراغماتية تعكس مبدأ "أميركا أولًا".
في هذا الإطار العام، ورغم أن لبنان لم يُذكر صراحةً في استراتيجية الأمن القومي الأميركية، يمكن استنتاج دعوة ضمنية تنسجم مع منطق هذا التحول. فلبنان يندرج بوصفه حالة تعبّر بوضوح عن تراجع الرهان الأميركي على بناء الدول من الخارج أو فرض نماذج حكم جاهزة. وتعكس هذه المقاربة إدراكًا متزايدًا بأن مسؤولية صياغة المستقبل باتت تقع، بالدرجة الأولى، على عاتق اللبنانيين أنفسهم، لا على التدخلات الدولية.
لم يعد يُنظر إلى لبنان كساحة لتجارب هندسة سياسية دولية، بل كمجتمع يُفترض أن يُنتج توازناته الداخلية ونموذج حكمه انطلاقًا من واقعه الخاص. في هذا السياق، تبرز الحاجة ليس فقط إلى إعادة تنظيم الداخل اللبناني، بل أيضًا إلى انخراط فعّال مع الفاعلين الإقليميين، بوصفهم أدوات أساسية في إدارة التوازنات الشرق أوسطية الجديدة. فالمشاركة في صياغة مستقبل لبنان، وفي التأثير في شكل الشرق الأوسط المقبل، تمرّ عبر القدرة على التفاعل مع هذه القوى والتأثير في حساباتها، لا عبر الاكتفاء بدور المتلقي أو انتظار مبادرات خارجية لن تأتي.
ضمن هذا الواقع، تبرز مسؤولية خاصة على عاتق اللبنانيين في بلورة رؤية سياسية واقعية تؤمّن الاستقرار والقدرة على الصمود داخل بيئة إقليمية مضطربة. فمع انسحاب القوى الكبرى من أوهام "الحلول السحرية" والتدخلات العميقة، يصبح البحث عن صيغ حكم داخلية قابلة للحياة شرطًا أساسيًا للخروج من المأزق البنيوي.
ويعني ذلك عمليًا نهاية وهم الإنقاذ الخارجي. فقد أثبتت الدولة المركزية في لبنان مرارًا فشلها البنيوي في أداء وظائفها الأساسية، إذ تحوّلت إلى كيان مشلول عاجز عن بسط السيادة، أو إدارة الاقتصاد، أو حماية المجتمعات، أو اتخاذ قرار وطني مستقل. ولم يكن هذا الفشل ظرفيًا، بل نتيجة مباشرة لنظام مركزي غير قادر على إدارة مجتمع تعددي، ومخترق من قوى محلية وإقليمية.
انطلاقًا من ذلك، يبرز خيار الانتقال إلى نظام اتحادي فدرالي كخيار واقعي لإدارة التعددية ومنع الانهيار الشامل. فالفدرالية تتيح لكل مكوّن تنظيم شؤونه السياسية والاقتصادية والثقافية ضمن إطار محلي قابل للحياة، مع الحفاظ على إطار وطني جامع يضبط السياسة الخارجية والدفاع والعلاقات الدولية.
إقليميًا، تُبرز الـ NSS إيران بوصفها عاملًا مزعزعًا للاستقرار. ومع تراجع قدراتها بفعل الضربات الإسرائيلية والأميركية، باتت أذرعها المسلحة، وفي مقدّمها "حزب الله"، عبئًا استراتيجيًا على البيئات التي تحتضنها أو تتسامح معها. وبالنسبة للبنانيين، تكمن الخطورة في الغموض: فالتردد في حسم الموقف من السلاح غير الشرعي داخل دولة مركزية فاشلة يضعف أي خطاب سيادي، ويربط لبنان بمحور إقليمي مستهدف.
كما تعكس الـ NSS تحولًا جوهريًا في مقاربة النزاعات، حيث يتم التخلي عن مشاريع الحلول الشاملة وبناء الدول. الصراعات تُدار ولا تُحل، وتُحتوى ولا تُفكك جذريًا. وينسحب هذا المنطق على لبنان أيضًا: فلا حلّ سحريًا يعيد إنتاج دولة مركزية قوية فوق واقع اجتماعي مفكك، بل إدارة عقلانية للتعددية عبر حكم اتحادي مرن وقابل للحياة.
في ظل هذه الديناميكيات الإقليمية، يصبح الموقع اللبناني هشًا إذا استمر الرهان على دولة مركزية فاشلة أو على تناقضات الآخرين. وحده مشروع سياسي واضح، يقوم على السيادة المحلية وبناء نماذج حكم ناجحة داخل كيانات مستقرة، يمكن أن يمنح لبنان موقعًا تفاوضيًا حقيقيًا في أي تسوية مستقبلية.
خلاصة القول، لا تقدّم استراتيجية الأمن القومي الأميركية وعودًا بالحماية، بل خريطة صريحة للقوة والمصالح. إنها تعيد إحياء منطق الجيوبوليتيك الكلاسيكي: السيطرة على المجال الحيوي، احتواء الخصوم، وتفويض إقليمي مضبوط لإدارة المناطق المضطربة بأقل كلفة ممكنة. وفي هذا السياق، يصبح انتقال لبنان من الدولة المركزية الفاشلة إلى نظام اتحادي فدرالي قابل للحياة خيارًا عقلانيًا وواقعيًا، لا أيديولوجيًا.
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ