د. جوسلين البستاني

حين تسقط السرديات تحت وطأة الحقائق

5 دقائق للقراءة
بعض التغطيات وصفت نتنياهو بأنه "محاصر سياسيًا"

لم تكن البلبلة في التغطية الإعلامية التي سبقت لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نتيجة هشاشة التوقعات وحدها، بل ثمرة إصرار واضح على تحويل فرضيات غير مثبتة إلى حقائق قاطعة. فقد اندفع جزء كبير من الإعلام الأميركي إلى التعامل مع فكرة وجود شرخ بينهما بوصفها أمرًا محسومًا، لا احتمالًا سياسيًا قابلًا للنقاش، مستندًا إلى مصادر مجهولة واستنتاجات نفسية فضفاضة لا ترقى إلى مستوى الوقائع.

وقد تجلّى هذا النهج بوضوح في موقع "أكسيوس" (Axios)، الذي يعتمد غالبًا في تغطيته على عناوين موجزة ولغة حاسمة، مستندًا إلى مصادر مجهولة تُضفي وهم القرب من دوائر القرار والإحساس بالاطلاع على ما يدور خلف الكواليس. وقد لعب هذا الأسلوب، في الفترة التي سبقت لقاء ترامب ونتنياهو، دورًا محوريًا في ترسيخ سردية "التوتر"، رغم غياب أي مؤشرات واقعية تؤكدها، إذ جرى تقديم قراءات تفسيرية بوصفها تطوّرات فعليّة، ومنح تحليلات ظرفية صفة الحقيقة الثابتة.

باختصار، غالبًا ما تتبنى التقارير الصادرة عن موقع "أكسيوس" فرضيات حول ديناميكيات السياسة الأميركية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع. وهذا ما تكرّس مؤخرًا، إذ لم تصمد تلك القراءات أمام الوقائع بعدما قُدّمت بوصفها استنتاجات مؤكّدة. فاللقاء بين ترامب ونتنياهو لم يُظهر أي شرخ أو توتر ملحوظ، بل أكّد استمرار التنسيق السياسي ضمن الأطر المعروفة، بعيدًا من أي قطيعة أو صدام كما جرى الترويج له. ومع ذلك، ورغم سقوط سرديات "الغضب" و"القطيعة"، لم تُسجَّل أي مراجعة مهنية أو اعتراف بالخطأ، وكأن تضليل الرأي العام بات تفصيلًا عابرًا لا يستحق التوقف عنده.

لم يقتصر هذا النمط على موقع "أكسيوس"، إذ ركّزت أيضًا صحيفتا "نيويورك تايمز" (NYT) و "واشنطن بوست" (WP) بشكل واضح على الخلاف بين ترامب ونتنياهو قبيل انعقاد اللقاء. غير أن الرسالة الضمنية في هذه التغطيات لم تكن أن الخلاف يمسّ جوهر المسار السياسي، بل إنه يتعلّق بكيفية المضي قدمًا وتوقيته، لا بمبدأ احتفاظ إسرائيل بحرّية التصرّف. بعبارة أخرى، لم يكن الخلاف مطروحًا بوصفه مانعًا لضربة عسكرية محتملة.

في المقابل، تعاملت بعض وسائل الإعلام اللبنانية، ولا سيما الموالية لـ "حزب الله"، مع أي حديث إعلامي عن خلافات أميركية - إسرائيلية بوصفه رواية ردع مكتملة. بل عمدت إلى تضخيم انتقائي لتقارير "أكسيوس" (Axios) وتصريحات منسوبة إلى مسؤولين أميركيين مجهولين، مستخدمة لغة مشبّعة بمفردات "الإحباط" و "الضغط" و "التوتر"، قبل إعادة صياغتها ضمن سردية حاسمة مفادها أن ترامب يُقيّد نتنياهو ويمنعه من التصعيد، بل إنه "غاضب" منه ويسعى إلى التهدئة. وذهبت بعض التغطيات أبعد من ذلك، متحدثة عن نتنياهو بوصفه "محاصَرًا سياسيًا" أميركيًا، في تصوير يقدّم واشنطن ككابح لإسرائيل لا كمُيسِّر لها، ويحوّل الخلاف التكتيكي إلى دليل على حصار دبلوماسي ومنعٍ للتصعيد.

وهنا تكمن أهمية القفزة السردية الأساسية: الانتقال من توصيف خلافات تتعلّق بالتوقيت والتكتيك، إلى استنتاج جازم بأن هجومًا إسرائيليًا لن يقع في أي وقت قريب. هذه ليست قراءة محايدة، بل إعادة تفسير استراتيجية تهدف إلى طمأنة الجمهور المحلّي، وتجنب الهلع، والحفاظ على "هدوء متحكَّم فيه"، وفي الوقت نفسه تعزيز أسطورة الردع: "حزب الله" في موقع قوة، وإسرائيل تبدو مقيّدة. أما التصعيد، إن وقع، فسيُقدَّم بوصفه خاضعًا لشروط "حزب الله"، وإن لم يقع فسيُستخدم دليلًا إضافيًا على فعالية هذا الردع.

ولأن تقارير "أكسيوس" تُضفي طابعًا شخصيًا على التوتر، وتُبرز الإحباط خلف الكواليس، وتُقلّل من وزن منطق التحالف البنيوي، فإنها تتحوّل إلى مواد خام مثالية لتحويل خلاف تكتيكي إلى شلل استراتيجي، وللإيحاء بوجود "فيتو" أميركي حيث لا وجود له فعليًا. وبهذا المعنى، فإن التفسير اللبناني الموالي لـ "حزب الله" ليس خاطئًا بالصدفة، بل خاطئ عن قصد، إذ إن وظيفته السياسية تكمن في تثبيت التوقعات وضبط المزاج العام، لا في توصيف الواقع كما هو.

إذًا، تكمن الإشكالية الأعمق في الطريقة التي يُعاد فيها تدوير خطاب بعض الإعلام الأميركي داخل فضاءات إعلامية أخرى، مثل تلك الموالية لـ "حزب الله". فهذه الوسائل قامت بتفعيل التقارير التي أفادت بوجود خلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل وحوّلت "الخلاف" إلى أداة لإدارة التصوّرات، مُصمّمة لترسيخ التوقعات، وتخفيف القلق، والحفاظ على رواية الردع. باختصار، بُنيت سردية كاملة على تحليل لرغبات سياسية، لا على وقائع.

والمفارقة أن الإعلام الأميركي، الذي لطالما أُدين من قبل إعلام الممانعة بوصفه أداة للهيمنة، فجأة يُكرّس كمرجعية لأنه يتقاطع مع الموقف السياسي المطلوب. بالتالي، لا يعود السؤال مُتعلقًا بصحة المعلومة، بل بمدى فائدتها في تثبيت سردية مسبقة تتوافق مع هذا الموقف، وهكذا تُختزل الحقيقة في ما يخدم الرواية.

ومن المهمّ التأكيد على أن الاعتقاد بوجود استقلالية تامة للإعلام الغربي خاطئ. فهو جزء من منظومات نفوذ تشمل مراكز أبحاث، وشبكات مصالح، ولوبيات ضغط تعمل أحيانًا لمصالح أجنبية متقاطعة وأحيانًا متعارضة، لكنها تؤثر حتمًا في طبيعة السرديات المتداولة. ومن الصعب تجاهل هذه الحقيقة عند تحليل محتوى الإعلام والسياسات المرافقة له.

غير أن المشكلة لا تكمن في متابعة بعض الإعلام الأميركي أو الغربي، بل في التسليم الأعمى لإعادة تدويره من قبل من يُصرّ على التركيز على مسار تفسيري واحد، محوّلًا السرديات إلى بديل عن الوقائع. وليس هذا بالأمر الجديد على من جعل التضليل مهنة، حيث يصبح الرأي العام مجرد أداة في لعبة السيطرة على المعنى.