بدأت رياح التغيير تلفح الوجوه الحاقدة لقادة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. انطلقت طلائع الحراك الشعبي من بازار طهران الكبير ذات الرمزية التاريخية، الأحد الماضي، مع إضراب التجار احتجاجًا على تدهور سعر صرف العملة المحلّية مقابل الدولار والوضع المعيشي المزري، لينتشر بعدها الغضب الشعبي ويتوسّع بسرعة مع تلقف سائر شرائح المجتمع الناقمة "نداء الحرّية". لم يتردّد الطلّاب والمعلّمون والموظفون والعمّال والعاطلون من العمل، للحظة، في النزول إلى الساحات ورفع شعارات تطالب بإسقاط نظام الملالي. فالشارع الإيراني المعارض لحكم الطغاة، يدرك أن الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية إنما هي نتاج نظام فاشل عاث في البلاد فسادًا لعقود. وبالتالي، لا حلّ جذريًا لمشكلاتهم المتفاقمة سوى بالتخلّص من أصل المصيبة التي حلّت عليهم في 11 شباط 1979، أي الطغمة الثيوقراطية الحاكمة التي استنزفت الشعب وموارده باستثمارات عقائدية - عسكرية عابرة للحدود، تجلّى عجزها عندما دقت ساعة المواجهة الحقيقية مع إسرائيل والغرب.
لا يحدث التغيير العميق في المجتمعات بشكل اعتباطي ومفاجئ. إن الثورات الناجحة لا تكون وليدة تلك اللحظة التي تحقق فيها انتصارها المدوي، بل هي حصيلة ظروف ومعطيات وعوامل داخليّة وخارجيّة تأخذ مداها التصاعدي مع الوقت حتى يحين موعد "الحصاد المنتظر". وكما بدأ "الحراك الثوري" ضدّ حكم الشاه الراحل محمد رضا بهلوي في تشرين الأوّل 1977، ليؤدّي إلى انتصار "الثورة الإسلامية" في شباط 1979، هكذا هي الحال اليوم مع "الثورة المضادة" للحكم الإسلامي الجائر. فـ "الحراك الثوري" الآخذ في التمدّد عبر المحافظات والمدن الإيرانية حاليًا، ينبع من محطّات اعتراضية متراكمة، تسعّرت مع تفجّر ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية" بعد مقتل الشابة مهسا أميني في 16 أيلول 2022. نجح النظام وقتذاك بقمع الثوار، إلّا أنه فشل في إجهاض الثورة.
لا يمكن الجزم بأن ما يحصل في إيران سيسفر حكمًا عن تداعي نظام آيات الله قريبًا، بيد أن الأمر ليس بعيد المنال، ولو مهما بدا صعبًا ومكلفًا. فالانتفاضة الشعبية العاصفة بإيران تشكّل محطّة مفصلية ستحدّد مصير الملالي عاجلًا أم آجلًا. يشعر النظام بهبوب "الرياح الخريفية" منذ أيلول 2022، إلّا أن جراحه تعمّقت مع "حرب الإثني عشر يومًا" التي هشمت برنامجه النووي وحطّمت صورته وعرّته أمام شعبه. تواجه الجمهورية الإسلامية تحديًا وجوديًا، خصوصًا إذا ما كان نفس الحراك الشعبي طويلًا وواكبه دعم خارجي وازن ومؤثر. وهنا تجدر الإشارة إلى التحذير غير المسبوق الذي أطلقه الرئيس ترامب لإيران، من أن واشنطن جاهزة للتدخل لإنقاذ المتظاهرين السلميين إذا ما أقدمت طهران على إطلاق النار عليهم وقتلهم بعنف.
تسيل دماء الثائرين في شوارع إيران في مواجهة آلة القتل التي لم تصل بعد إلى مرحلة رسم "تحفتها الدموية"، فالحراك ما زال في بداياته. لكن ما هي الخطوط الحمر التي ستجعل ترامب يتحرّك إذا تخطّتها طهران، لنجدة الإيرانيين المنتفضين ضدّ الملالي؟ وكيف سيكون شكل هذا التحرّك وحجمه وتأثيره على مجرى الأحداث؟ كما تُطرح أكثر من علامة استفهام حول خطوات إسرائيل المحتملة على أكثر من صعيد، إذا ما رصدت فرصة سانحة لها للتدخل وإحداث فرق جوهري على الأرض. يَعي النظام الإيراني جسامة الخطر المحدق بمستقبله، الأمر الذي قد يدفعه إلى اتخاذ قرارات في هذا الاتجاه أو ذاك، ستساهم إلى حدّ ما في تسريع انهياره أو تأجيل قدره الأسود المحتّم. فإذا ما كبرت "كرة ثلج" الغضب الشعبي، سيتسبّب ذلك بتحوّلات عنيفة في الديناميكيات الداخلية، لا أحد يستطيع التكهّن بخواتيمها.
التغيير في إيران آتٍ لا محالة، فالتربة المجتمعية أصبحت جاهزة لربيع طال انتظاره. يهتف الثوار الساخطين من واقع بلادهم المرير بشعارات جريئة منها "الموت للديكتاتور"، أي المرشد الأعلى علي خامنئي، و "على رجال الدين أن يرحلوا"، و "هذا العام عام الدم، وسيد علي سيسقط"، و "لا غزة ولا لبنان، حياتي فداء لإيران"، و "لا تخافوا لا تخافوا، نحن جميعًا معًا"، فضلًا عن إحراقهم صور رموز النظام وقادته وعلم الجمهورية الإسلامية. ترقّبَ الخبراء تفجّر الشارع الإيراني منذ أن اعتقل النظام بوحشية المناضلة نرجس محمدي ورفاقها الشهر الفائت. وبالفعل، لم يتأخر الإيرانيون في القيام بـ "واجباتهم الثورية"، رغم معرفتهم بالأثمان الباهظة المتوقعة. وكما كتبت سابقًا، السنوات في مسيرة الأنظمة التافهة، كما الأيام المعدودة في حياة الأشخاص المصابين بالسرطان في مراحله المتقدّمة. "نظام الإعدامات" مصاب بالسرطان منذ زمن بعيد وخلاياه القاتلة متفشية بهيكله المهترئ. يبقى إعلان وفاة المريض بيد الشعب الإيراني وعواصم القرار المعنية.