المحامي إميل عون

قراءة في الفدرالية الطائفية غير المعلنة وتفكك السيادة

الفدرالية في لبنان بين الطرح الدستوري والتطبيق الواقعي

9 دقائق للقراءة

يشكل النظام السياسي اللبناني إحدى أكثر التجارب تعقيدًا في إدارة التعددية الطائفية في العالم، فمنذ نشأة دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم الاستقلال عام 1943، بني الكيان السياسي على قاعدة توازن طائفي دقيق، ترجم دستوريًا وسياسيًا عبر ما عرف بالميثاق الوطني، ولاحقًا باتفاق الطائف عام 1989. الا أن هذا النظام، القائم على الديمقراطية التوافقية والمحاصصة الطائفية، أظهر مع مرور الزمن عجزًا بنيويًا عن انتاج دولة سيدة وفاعلة، كما بيّن ذلك أريند ليبهارت في تحليله للنظم التعددية غير المستقرة (1)  مع تعدد الولاءات الطائفية وتضارب الهويات السياسية بين الداخل والخارج. منذ سنوات، يثار في لبنان جدل واسع حول اعتماد النظام الفدرالي كبديل عن النظام التوافقي الطائفي الذي أظهر عجزًا بنيويًا عن إنتاج دولة فاعلة. غير أن هذا الجدل غالبًا ما يختزل في انقسام سياسي-طائفي سطحي: مسيحيون يطالبون بالفدرالية، ومسلمون يرفضونها. تسعى هذه القراءة إلى تفكيك هذا التصنيف، عبر التمييز بين الفدرالية كنظام دستوري معلن والفدرالية كممارسة واقعية غير معلنة. وتخلص الى أن لبنان يشهد عمليًا شكلًا من الفدرالية الطائفية الأمر الواقع غير المتوازنة، حيث تمارس الفيدرالية من قبل بعض المكونات من دون إعلان أو اطار دستوري، في مقابل مطالبة مكونات أخرى بها دون امتلاك أدوات تطبيقها. وتناقش الدراسة باختصار تداعيات هذا الواقع على مفهوم السيادة، ووحدة الدولة، وامكانات الاصلاح الدستوري. من هنا، نعالج باختصار نقطتين في هذا التوسيع، مفهوم الفدرالية وأنواعها ومن ثم ممارستها الواقعية في لبنان (مع العلم أن الكاتب أصلًا من مؤيدي وحدة الدولة بوجود لامركزية إدراية موسعة حقيقية).

أوّلًا، مفهوم الفدرالية وأنواعها وموقعها في الخطاب السياسي اللبناني

بداية، يتميز لبنان بتعدديته الطائفية المعقدة وبنظام سياسي توافقي أسس منذ الاستقلال عام 1943، ثم أعيد تنظيمه بموجب اتفاق الطائف عام 1989. الا أن هذا النظام، القائم على تقاسم السلطة بين الطوائف، فشل في التحوّل إلى دولة مواطنة حديثة، وأنتج أزمات متراكمة بلغت ذروتها بعد عام 2019 وخصوصًا بعد حرب اسناد غزة في خريف 2023. في هذا السياق، عادت الفدرالية إلى الواجهة كخيار مطروح، لكن بقي النقاش حولها مشحونًا بخطاب سياسي وايديولوجي، أكثر منه تحليلًا دستوريًا وواقعيًا. ينطلق هذا التحليل من فرضية أساسية مفادها أن لبنان لا يعيش صراعًا حول اعتماد الفدرالية، بل يعيش فدرلة فعلية غير متوازنة للدولة دون إطار دستوري أو عقد اجتماعي جامع. في المفهوم الفقهي، الفدرالية هي نظام حكم تقوم فيه الدولة على اتحاد كيانات مناطقية أو قومية أو اثنية تتمتع بقدر من الحكم الذاتي ضمن دولة موحدة وفق دستور يوزع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والوحدات الفدرالية (2). وعندما تبنى الفدرالية على خطوط اثنية أو طائفية تسمى الفدرالية الاثنية، وقد طبقت في دول متعددة مثل اثيوبيا، البوسنة، العراق ما بعد 2005 (3). الفدرالية المتناظرة (4)  هي نظام حكم يقوم على دستور مكتوب ينص على توزيع واضح للصلاحيات بين المركز والأقاليم ويتميز بوحدة سيادية مع تعددية إقليمية فيه يخضع الجميع لسيادة القانون، على مثال الولايات المتحدة، سويسرا وألمانيا. أما الفيدرالية غير المتناظرة (5)، فهي تمنح أقاليم معينة صلاحيات أوسع من غيرها لأسباب تاريخية أو إثنية (ككندا واسبانيا). فدرالية الأمر الواقع (6) هي الحالة التي تمارس فيها وحدات داخل الدولة صلاحيات سيادية أو شبه سيادية دون نص دستوري، نتيجة ضعف المركز أو انهياره (7). هذا النموذج غالبًا ما يكون مرحلة انتقالية غير مستقرة بين الدولة الموحدة والتفكك. في لبنان، يلاحظ أن المطالبة الصريحة بالفدرالية تتركز تاريخيًا في أوساط مسيحية، خصوصًا منذ الحرب الأهلية، حيث ارتبطت بالخوف من فقدان الدور السياسي أو الديموغرافي. غير أن اتفاق الطائف رفض صراحة أي صيغة فدرالية، وأقر بدلًا منها بوحدة الدولة واللامركزية الإدارية الموسعة غير المطبقة حتى تاريخه (8). وهكذا بقيت الفدرالية خارج النص الدستوري، لكنها لم تختف من الواقع العملي. دوافع طرح الفدرالية في لبنان عديدة أهمها فشل الدولة المركزية في تقديم الخدمات العامة أي تحديدًا عجز اداري وخدماتي ملحوظ، بيروقراطية متضخمة، وغياب التخطيط الاقتصادي، تضارب الولاءات السياسية والطائفية، وجود واقعي لشبه كيانات جغرافية طائفية ومؤسساتية، ازدواجية السلاح والسيادة والمشاريع، تعدد الولاءات الاقليمية والدولية، وجود سلاح خارج الدولة ما يقيد السيادة المركزية، الاختلال الديموغرافي والتحولات والتجنيس بعد 1990، اللامساواة الاقتصادية بين المناطق وعدم الاتفاق على المشاريع الدولتية المستقبلية، وخصوصًا بعد حرب الاسناد صعود الشعور الطائفي والفئوي الى أعلى مستوياته حتى الى ما يفوق ما كان عليه إبّان الحرب الاهلية.

ثانيًا، الفدرالية الطائفية في الممارسة الواقعية اللبنانية عند مختلف المجموعات وأثرها غير المعلن على السيادة والدولة

في خضم الأزمة اللبنانية البنوية للدولة، عاد إلى الواجهة في الخطاب اللبناني مفهوم الفدرالية بوصفه حلًا بديلًا محتملًا. غير أن النقاش العام حول الفدرالية غالبًا ما اتسم بالتبسيط والاختزال الطائفي، إذ جرى تصويرها كمشروع "مسيحي" في مقابل رفض "اسلامي"، من دون تفكيك علمي دقيق لطبيعة ما يجري فعليًا على أرض الواقع. ينطلق هذا التفسير من فرضية مركزية مفادها أن لبنان يشهد شكلًا متقدمًا من الفدرالية الطائفية الأمر الواقع غير المعلنة، تمارسها بعض المكونات دون إطار دستوري، في حين تطرحها مكونات أخرى نظريًا دون امتلاك أدوات تطبيقها. باختصار، أبدأ بالحالة الشيعية و"حزب الله"، فيظهر كيان شبه فدرالي مكتمل العناصر، ومن منظور علم السياسة، يمكن رصد العناصر المكونة كإقليم جغرافي واضح وسلاح مستقل عن الدولة (9)  واقتصاد وخدمات اجتماعية موازية وقرار أمني وعسكري ذاتي وقرار الحرب والسلم ومرجعية أيديولوجية خارجية خاصة. هذه العناصر تشكل ما يعرف في الأدبيات (10)  بـ Proto-State أو State within State . وعليه، فإن رفض الفدرالية خطابًا لا ينفي ممارستها فعليًا بصورة أحادية وغير متوازنة. بالنسبة للحالة السنية، نلحظ ادارة اجتماعية ومحلية شبه مستقلة احيانًا ولامركزية اجتماعية لا تصل الى فدرالية فعلية سياسية، بمعنى أنه تشهد مناطق ذات غالبية سنية كطرابلس وعكار وصيدا شكلًا من أشكال الادارة المحلية غير الرسمية والتضامن الاجتماعي والنفوذ المحلي (11)  ولكنها تفتقر إلى سلطة عسكرية موحدة وقرار سياسي مستقل وموارد مالية سيادية، وبالتالي لا يمكن توصيف هذا الواقع كفدرالية، بل كتفكك اجتماعي للدولة المركزية. بالنسبة للدروز، فإنهم يمثلون نموذجًا تاريخيًا للحكم المحلي من خلال تماسك جغرافي وضبط أمني داخلي ومرجعية سياسية شبه موحدة، وهذا النموذج لا يسعى إلى الانفصال (12)  ولا يطالب بإطار دستوري خاص، ما يجعله أقرب إلى الحكم الذاتي التقليدي المحدود (13). أما بالنسبة للمسيحيين، وعلى عكس ما يشاع، فإن القوى المسيحية تطالب بفدرالية دستورية متوازنة، لكنها لا تطبق أي شكل من أشكال الفدرلة الواقعية ولا تمتلك (أو لا تنفذ) أدوات القوة اللازمة لذلك، من هنا نرى فدرالية مطلوبة وغير مطبقة. فطرحها سياسي واعلامي لكن لا تطبيق فعليًا في غياب السلاح والسيطرة المالية او الاقتصادية المستقلة والامن الذاتي، فالطرح لا يتعدى المطالبة بفدرالية دستورية منظمة لا فدرالية الأمر الواقع بالقوة، بمعنى أن الفدرالية المطالب بها تهدف الى ضبط التفكك، أما الفدرالية التي تمارس فعليًا فهي سبب التفكك. في النهاية، هذا يفسر المفارقة اللبنانية، أي من يطالب بالفدرالية لا يطبقها، ومن يطبقها يرفض تسميتها. وبكل الأحوال، يؤدي هذا الواقع على المستويين النظري والعملي الى تآكل مفهوم السيادة الواحدة وغياب المساواة بين المواطنين وتحول الدولة إلى مظلة شكلية ونهاية الى استحالة الاصلاح ضمن النظام القائم. وهذا ما يجعل لبنان أقرب إلى دولة مجزأة (14)  وليس دولة فدرالية. فما يمكن استنتاجه، هو أن لبنان لا يعيش نقاشًا نظريًا حول الفدرالية، بل أزمة سيادة عميقة. والفدرالية المطبقة حاليًا ليست مشروعًا مطبقا بوضوح بل هي فدرالية أمر واقع غير متوازنة وغير دستورية، والخطر لا يكمن في الفدرالية كنظام، بل في تطبيقها الأحادي. وأي حل مستقبلي يفرض خيارين لا ثالث لهما، اما دولة مركزية قوية على الجميع والتجربة العلمية والعملية في لبنان أثبتت أن ذلك شبه مستحيل، أو فدرالية دستورية متوازنة تطبق على الجميع. أما استمرار الوضع الحالي في إنكار الواقع القائم، فهو وصفة مؤكدة لتفكك الدولة النهائي، ولقيام حرب أهلية جديدة عند توفر العناصر بحدها الأدنى، فالدولة التي لا تعترف بتفكك سيادتها تعجز عن إعادة بنائها. 


(1) Lijphart, A., Democracy in Plural Societies (1977), Yale University Press.

(2) Elazar, Daniel J., Exploring Federalism (1987) – Watts, Ronald, Comparing federal systems (2008).

(3) Hale, Henry, Divided We stand: Institutional sources of ethno-federal state and collapse (2004).

(4) Symmetric Federalism

(5) Asymmetric Federalism

(6) De facto Federalism

(7) Palermo, F., Is Federalism a Way Out from the Deadlock of Consociationalism in Lebanon? (2020).

(8) سلامة غسان، لبنان بين الدولة والطوائف 


(9) Migdal, J. S., State in Society (2001), Cambridge University Press.

(10) Rabil, R. R., Can Federalism Work in Lebanon?(2012), Washington Institute for Near East Policy.

(11) Migdal (2001)

(12) بشارة عزمي، المسألة الطائفية وإشكالية الدولة في المشرق

(13) Autonomous Local Governance

(14) Fragmented State



محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي